‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

السبت، 24 أغسطس 2013

الإسلام دين الوسطية

الإسلام دين الوسطية

إعداد
عبد العزيز عبد الرحمن عودةالمحاضر في جامعة الأزهرغزة / فلسطين
بسم الله الرحمن الرحيم



مقدمة :
إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة .
الإسلام في أيامنا هذه أحوج ما يكون إلى من يحسن عرضه على الناس والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة وجوهر ذلك الاعتدال في الخطاب والحرص على كسب العقول والقلوب ؛ وذلك لا يتأتى إلا بالابتعاد عن التطرف وعن تبني الآراء المسبقة لإرغام الناس على الأخذ بها ، يجب أن لانحصر الألوان في لونين فقط إما أبيض وإما أسود بل لابد أن نعترف أن هناك ألوانًا أخرى وكذلك لابد من وقف المحاولات التي يبذلها المتطرفون - الذين لا يرون العالم إلا من خلال مناظيرهم - لإقصاء من يخافهم الرأي أو الفهم ولو كان على ملتهم ودينهم، وحجتهم في ذلك نصوص مبتورة عزلوها عما سبقها ولحقها ، وتمترسوا وراءها فلم يعرفوا لها علة ولا مناسبة ، أو أقوال لمن سبقهم يتعصبون لها دون إدراك لملابساتها أو الظروف الموضوعية التي قيلت فيها وإنما هو تعصب وتقليد وإتباع أعمى .
وبدهي أننا نعني بالنصوص ، تلك النصوص الظنية التي تحتمل الاختلاف وتعدد الآراء والفهوم ، إن إبراز خصائص الإسلام وعلى رأسها الوسطية ، أمر في غاية الأهمية ونحن نرى أعداءه يرمونه بما ليس فيه من تطرف وإرهاب وإقصاء للآخرين وبث للكراهية والتعصب ، ومما يؤسف له أن نفرًا ممن ينتسبون لهذا الدين يساعدونهم في ذلك من خلال إساءتهم لتطبيق الإسلام تطبيقًا بعيدًا عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك يسيئون إلى هذا الدين من خلال عرضه عرضًا سيئًا كما أشرنا آنفًا .

إن الإسلام جاء ليرفع عن الناس الإصر والأغلال ، ويضمن لهم حياة طيبة ملؤها السعادة والاستقرار ، فكتابه الكريم يقول : " وما جعل عليكم في الدين من حرج " ، " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " ، ونبيه صلوات الله وسلامه عليه هو الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، وفقهاؤه العباقرة هم الذين استنبطوا القواعد الفقهية التي تضمن سعادة الناس واستقرارهم من خلال استقرائهم لنصوص الشريعة وأحكامها ، فقالوا : المشقة تجلب التيسير ولا ضرر ولا ضرار ، والضرورات تبيح المحظورات ، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة .... إلخ
أين هذا كله من منطق التشنج والتطرف واختيار الآراء المسبقة الذي يمارسه البعض فترتد آثاره سلبًا على الدين نفسه ؟!
وهذه ورقات كتبتها على عجل في وسطية الإسلام تلبية لدعوة وزارة الأوقاف والشئون الدينية ولست راضيًا عنها كل الرضى ، وعسى الأيام تسمح لنا بإعادة النظر فيها لتوفيتها حقها .
وهي في محورين وخاتمة ، تكلمنا في المحور الأول عن معنى الوسطية في الإسلام ومرتكزاتها في القرآن والسنة وفي المحور الثاني عن بعض مظاهر الوسطية في الإسلام جملة ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب .
المحور الأول :
1- معنى الوسطية في الإسلام :
حتى نعرف معنى الوسطية ينبغي أن نتذكر قول الشاعر المتطرف ( وبضدها تتميز الأشياء ):
ونحن أناس لا توسط بيننا لنا الصدر دون العالمين أو القبر
فهو لا يرى إلا أمرًا من أمرين ، إما أن يعيش فوق رؤوس الناس وإما أن يدفن ، ولا يرى أن هناك أمرًا ثالثًا بإمكانه أن يختاره ، وهو أن يعيش مساويًا للناس له ما لهم وعليه ما عليهم ، وللأسف هذا شأن كل متطرف في الدين أو السياسة أو في أي موقف آخر من مواقف الحياة .

وباستقراء نصوص الشريعة الإسلامية وأحكامها نجد أن من أبرز خصائصها : الوسطية ، التي تعني الموقف المعتدل بين طرفين ، فلا تميل إلى طرف دون آخر وإنما تقف الموقف الذي يقتضيه الميزان القسط ، ولا تسمح بطغيان طرف على آخر ، فلا إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا تقصير ، وإنما هو القسطاس المستقيم بين المادية والروحية والواقعية والمثالية والفردية والجماعية ، وكما قيل : الوسط فضيلة بين رذيلتين ، وسوف نرى مصداق ذلك فيما نعرض له من أمثلة في الشريعة الإسلامية ، وقد قيل أيضًا : خير الأمور أوسطها . ومما ينسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب " كرم الله وجهه " قوله : ( عليكم بالنمط الأوسط فإليه ينزل العالي وإليه يرتفع النازل ) ، وقوله : ( يهلك فيَّ رجلان ، محب غال ومبغض قال ) .
2- مرتكزات الوسطية في القرآن والسنة :
أ- في القرآن :
* في سورة الفاتحة التي يرددها المسلم في اليوم عشرات المرات في صلاته وغيرها ، قول الله تعالى : " إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " ، وبعد التأمل في قول الله تعالى السابق ، نجد أنه يوجهنا إلى أن ندعو ربنا أن يهدينا الصراط المستقيم ، لكن ما هو الصراط المستقيم ؟ إنه ذلك الطريق الوسط المعتدل بين طرفين أحدهما عرف الحق وتركه ، فهو مغضوب عليه " غير المغضوب عليهم " ، والآخر لم يهتد للحق أصلاً فهو ضال " ولا الضالين " .

* وقد جاء وصف الأمة في القرآن بالوسطية صريحًا في قوله تعالى : " وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا " ، وفي تعليقه على هذه الآية يقول الشهيد الأستاذ سيد قطب : إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعًا فتقيم بينهم العدل والقسط وتضع لهم الموازين والقيم ........ وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد ، أو من الوسط بمعناه المادي الحسي ........ ( أمة وسطا ) في التصور في والاعتقاد لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي . ( أمة وسطا ) في التفكير والشعور لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة ولا تتبع كذلك كل ناعق وتقلد تقليد القردة المضحك ( أمة وسطا) في التنظيم والتنسيق لا تدع الحياة كلها للمشاعر والضمائر ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب ، إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب ، ( أمة وسطا ) في الارتباطات والعلاقات لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة ( أمة وسطا ) في المكان في صرة الأرض وفي أوسط بقاعها وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض ، ( أمة وسطا ) في الزمان تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى .
وواضح من كلام الأستاذ سيد قطب أنه يرى أن خاصية الوسطية من أبرز خصائص هذه الأمة التي أراد الله لها أن تكن شاهدًا على الناس أجمعين .

* قول الله تعالى : " يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسل الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه " ، في هذه الآية ينهى الله أهل الكتاب عن مجاوزة الحد المعتدل في الدين والقول غير الحق في عيسى ابن مريم وهو ما أشار إليه بالغلو المذكور في الآية وفي ذلك إشارة جلية إلى أن الأمة الإسلامية هي الأمة الوسط والعدل التي التزمت الصراط المستقيم والنهج القويم في نظرتها للأنبياء عامة وفي عيسى ابن مريم خاصة وذلك عندما استجابت لأمر الله فيه أنه عبد الله ورسوله ، وفي تفسير الآية ، يقول العلامة " الطاهر بن عاشور " : ( والغلو في الدين أن يظهر المتدين ما يفوت الحد الذي حدد له الدين ، ونهاهم عن الغلو لأنه أصل لكثير من ضلالهم ، وتكذيبهم للرسل السابقين ، وغلو أهل الكتاب تجاوزهم الحد الذي طلبه دينهم منهم ، فاليهود طولبوا بإتباع التوراة ومحبة رسولهم فتجاوزوه إلى بغضة الرسل كعيسى ومحمد عليهما السلام ، والنصارى طولبوا بإتباع المسيح فتجاوزوا فيه الحد إلى دعوى إلهيته أو كونه ابن الله مع الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ) .
ب- السنة النبوية :
وعندما نستعرض سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم نجد فيها خاصية الوسطية واضحة جلية ، فانظر مثلاً :
* ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للنفر الذين آلوا على أنفسهم أن يصوموا فلا يفطروا ، وأن يقوموا فلا يناموا ، وألا ينكحوا النساء، إنه قال منكرًا عليهم تطرفهم : " أما إني أخشاكم لله ، وأتقاكم له ، ولكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " ، وفي هذا تأكيد على خط الاعتدال الذي هو سمة هذا الدين في مواجهة من أرادوا أ، يختاروا طرفًا واحدًا على حساب الطرف الآخر ، فردهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى حد الاعتدال وهو الوسط بين الطرفين .

* تأمل دعاء انبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي ، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير ، واجعل الموت راحة لي من كل شر " .
إن هذا الدعاء يكشف عن توازن عجيب بين الدين والدنيا ، فهو لا يطلب الحياة الدنيا على حساب الآخرة ولا الآخرة على حساب الدنيا ونجد مصداق هذا في دعاء القرآن ، في قوله تعالى : " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " ، فلا تطرف ولا إفراط ولا تفريط ، إنما هو وسطية واعتدال ، هذا ما يشعر به كل من يستبطن الآيات القرآنية ويطلع على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم .
* كذلك نجد قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى " ، يشبه المتشدد في العبادة بذلك المسافر الذي أرهق دابته من أمرها عسرًا ، وتجاوز حد الاعتدال في سوقها فكانت النتيجة أن نفقت دابته في الطريق ولم يصل إلى غايته ، وهذا شأن المتشدد في عبادته المتجاوز فيها حد الاعتدال فلا هو الذي أرضى ربه ، ولا هو الذي أبقى على نفسه ، شأن المنبت أي المنقطع في الطريق ، ولا يخفى ما في هذا التشبيه النبوي من دعوة إلى الوسطية والاعتدال .
* وقوله صلى الله عليه وسلم : " لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم ، إنما أنا عبد الله ورسوله " ، أي لا تتطرفوا في مديحي والثناء علي فتتجاوزوا بي حدود البشرية ، " قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد " ، ومن هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما سمع من ينشد فيقول : وفينا نبي يعلم ما في غد ، فغضب ونهاه وقال : " قولوا في بما تعلمون إنما أنا عبد الله ورسوله .
هذه بعض مرتكزات وأصول الوسطية في الإسلام سقناها من القرآن والسنة ، وقد تجلت مظاهرها في العقيدة والشريعة والسلوك والأخلاق مما سنعرض له في المحور الثاني .
المحور الثاني

من مظاهر الوسطية في الإسلام
سنعرض في هذا المحور لبعض مظاهر الوسطية كما تتجلى في عقيدة الإسلام وشريعته والأخلاق التي دعا إليها .
أولاً : في العقيدة :
إن المتأمل لمنظومة العقائد الإسلامية يجد أنها وسط بين من يتبعون الخرافة والأسطورة مهملين العقل والدليل مصدقين بكل شيء يصل إليهم تقليدًا وإتباعًا أعمى ، وبين الماديين الذين ينكرون كل شيء وراء الحس ولا يأبهون أيضًا بنداء الفطرة والأشواق الروحية ، إن الإسلام يقيم عقائده على براهين مقنعة وأدلة ساطعة ، فمثلا .. يقول الله تعالى : " ومن يدع مع الله إله آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه " ، نجد في هذه الآية أن القرآن إمعانًا منه في التأكيد على أهمية الدليل والبرهان يطالب به على قضايا قد ثبت فسادها وبطلانها ، فمن المعلوم أنه لا برهان على وجود إله آخر مع الله إنما هي دعوى لا تستند إلى أساس ، ويرد القرآن الكريم في موضع آخر على الخرافيين الذين ادعوا أن الملائكة إناث ويطالبهم بالدليل على دعواهم فيقول تعالى : " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون " ، وكذلك قول الله تعالى مفندًا مزاعم أهل الكتاب ومطالبًا إياهم بتقديم البرهان بين يدي ما يقولون ، " وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " ، ولقد ذُكر في كتب السنة أنه عندما توفي إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم كسفت الشمس ، فظن بعض المسلمين أن لذلك علاقة بموت إبراهيم ، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أبى ذلك الفهم ونهى المسلمين عن مثل ذلك الاعتقاد وأمرهم بالصلاة عند الكسوف أو الخسوف ....

والإسلام وسط في عقيدته بين من لا يرون إلا هذا العالم المحسوس وينكرون ما وراءه من غيب ، وبين أولئك الذين يعتبرون أن هذا العالم وهم لا حقيقة له ، ويقيموا عقيدته على أن هذا العالم حقيقة إلا أن هناك حقيقة أكبر منه ، فهو يصل من الكون إلى المكوِّن ومن الخلق إلى الخالق ، وفي ذلك يقول القرآن : " هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه " ، ويقول أيضًا : " فتبارك الله أحسن الخالقين " .
والإسلام أيضًا وسط بين من يؤمنون بالعقل وحده مصدرًا للمعرفة ومن ينكرون قيمة العقل ويقولون بالإلهام أو الأوهام ، إذ أن الإسلام يقف موقفًا مميزًا في الربط بين العقل والوحي ، فهو يعتبر أن بينهما علاقة كعلاقة البصر بالنور ، فالبصر يغدو عديم الفائدة في غياب النور ، كما أن النور لا جدوى منه إذا سار في ضوء أشعته أعمى ، فالعقل بصر والوحي نور وهي كما نرى عقيدة وسط بين هؤلاء وأولئك .
ثانيًا : الشريعة :
ونجد كذلك أن الإسلام يعتمد الوسطية في تشريعه ، سواء أكان ذلك في العبادات المحضة أو في المعاملات ، وكل من اطلع على عبادات الإسلام ومعاملاته يرى أنه لا يحيد عن الموقف المعتدل ويرفض التطرف الذي يقتضي الميل إلى جانب على حساب آخر ، أخر الإمام مالك في موطئه أن رجلاً اعترف على نفسه بالزنا وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلده فدعا له بصوط فأتي بصوط مكسور فقال فوق هذا فأتي بص
وط جديد لم تقطع ثمرته ، فقال : دون هذا ، فأتي بصوط قد رُكب به ولان ، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد .
فانظر إلى ما لا يخفى من منهج النبي صلى الله عليه وسلم في مراعاة الوسطية حتى في اختيار الصوط الذي يجلد به الزاني ، لك أن تتخيل لو وقع هذا الزاني في يد متطرف أو متعصب ليقيم الحد عليه !!!! .

وقد أخرج الإمام مسلم عن معاذ أنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لي : " إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب ، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوا لذلك ، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم " .
قال النووي شارح صحيح مسلم : وفيه أنه يحرم على الساعي أخذ كرائم المال في أداء الزكاة، بل يأخذ الوسط ، ويحرم على رب المال إخراج شر المال . وهذه هي الوسطية التي هي الاعتدال .
وكان صلى الله عليه وسلم ، يأمر بالتوسط في القراءة في الصلاة الجهرية وهذا مصداق قول الله تعالى : " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا" والسبيل هنا هو التوسط، الذي هو الوسطية والاعتدال ، واقرأ قول الله تعالى مؤكدًا على هذا المعنى " واذكر بك في نفسك تضرعًا وخفية ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين " .
وفي صحيح البخاري كان معاذ يصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع فيؤم بقومه ، فصلى العشاء فقرأ بالبقرة ، فانصرف رجل ، فكأن معاذًا تناول منه فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " فتان ، فتان ، فتان أو قال فاتنًا ، وأمره بسورتين من أوسط المفصل ، وفي ذلك أيضًا ما لا يخفى من الدعوة إلى التوسط والاعتدال في العبادة وقراءة القرآن .

وتحت عنوان باب ( أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام ) ، شرح الإمام النووي على صحيح مسلم ذكر أنه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إني لأتأخر عن صلاة من أجل فلان مما يطيل بنا ، فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ . فقال : " يا أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أم الناس فليوجز فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة" ، فإلى هذا الحد كان النبي يكره التطرف والتشدد الذي يميل إلى جانب دون آخر وكان صلى الله عليه وسلم يحب التوسط والاعتدال في كل شيء .
وكذلك نجد الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم يترجم بقوله : ( اعتدال أركان الصلاة وتخيفها في تمام ) .
ثالثًا : في الأخلاق والسلوك :
لقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم كله قائمًا على الاعتدال ، فقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد وهو يتحدث عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الكلام : ( وكان إذا تكلم ، تكلم بكلام مفصل مبين يعده العاد ليس بهذر مسرع لا يحفظ ، ولا متقطع تتخلله السكتات بين أفراد الكلام ، بل هديه فيه أكمل الهدي ، فعن عائشة أنها قالت : " ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا " أي الكلام ، وإنما يتكلم بجوامع الكلم ، فصل لا فضول ولا تقصير .

وفي مجال آخر وهو هديه صلى الله عليه وسلم في مجال اللباس ، يذكر ابن القيم كلامًا لابن سيرين ثم يعلق عليه قائلاً : ( ومقصود ابن سيرين أن أقوامًا يرون أن لبس الصوف دائمًا أفضل من غيره ، فيتحرونه ويمنعون أنفسهم من غيره وكذلك يتحرون زيًا واحدًا من الملابس ويتحرون رسومًا وأوضاعًا وهيئات يرون الخروج عنها منكرًا وليس المنكر إلى التقيد بها ، والمحافظة عليها وترك الخروج عنها ) . أي التمترس في موقع واحد ، وذلك هو التطرف الذي يكرهه الإسلام ، ثم يقول ابن القيم : ( فالذين يمتنعون عما أباح الله من الملابس والمطاعم والمناكح تزهدًا وتعبدًا بإزائهم طائفة قابلوهم فلا يلبسون إلا أشرف الثياب ولا يأكلون إلا ألين الطعام ، فلا يرون لبس الخشن ولا أكله تكبرًا وتجبرًا ، وكلا الطائفتين هديها مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ) . ثم زاد ابن القيم بقوله : ( قال بعض السلف كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب العالي والمنخفض ) .
وهذا كلام لا يحتاج إلى تعليق وهو يؤكد اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للوسطية والاعتدال في هديه كله حتى في ملبسه .
ثم يتكلم ابن القيم عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في نومه فيقول : ( وكان نومه أعدل النوم والأطباء يقولون هو ثلث الليل والنهار ثماني ساعات ) .

أما عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مشيه فيقول ابن القيم : ( وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة وهي أعدل المشيات وأروحها للأعضاء وأبعدها من مشية الهرج والمهانة والتماوت ؛ فإن الماشي إما أن يتماوت في مشيه ويمشي قطعة واحدة كأنه خشبة محمولة وهي مشية مذمومة قبيحة وإما أن يمشي بانزعاج واضطراب مثل الجمل الأهوج وهي مشية مذمومة أيضًا دالة علىخفة عقل صاحبها ... وإما أن يمشي هونًا ، وهي مشية عباد الرحمن كما وصفهم بها في كتابه ، فقال : " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا " ، قال غير واحد من السلف بسكينة ووقار من غير تكبر ولا تماوت ...
وقد أطلنا النقل عن ابن القيم من كتابه زاد المعاد ؛ لاعتقادنا أنه من أهم الكتب التي تحدثت عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنا لننصح أعزاءنا القراء الدارسين بقراءته ودراسته .
ومن أوضح الأمثلة على وسطية الإسلام في السلوك والأخلاق دعوته المتكررة إلى التوسط والاعتدال في الإنفاق والتحذير من التطرف في الإسراف أو التقتير ، ومصداق ذلك في قول الله تعالى يصف عباده : " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " ، والقوام هو الوسط .
ولو أن المسلمين استجابوا لهدي الله ورسوله فاعتمدوا الوسطية في أخلاقهم وسلوكهم وخطابهم لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا .
خاتمة :

من هذه العجالة السريعة مع آيات الله سبحانه وتعالى وهدي النبي صلى الله عليه وسلم يتأكد لنا ما ذكرناه من قبل أن الوسطية هي خاصية الإسلام البارزة وما زال في الحديث متسع للباحثين في هذا الموضوع المهم ، الذي تعتبر تجليته للناس من أجل ما يقدم للإسلام من خدمات في هذه السنوات العجاف التي تشن فيها أكبر هجمة على الإسلام والمسلمين .... إن الدفاع عن الإسلام والدعوة إليه في حاجة إلى رجال يملأ قلوبهم الإخلاص والصدق ويملأ عقولهم الوعي والعلم والمعرفة ، يعرضون الإسلام فيحسنون عرضه ويدافعون عنه فيعز جانبه وتعلو رايته ، وهم في كل ذلك يسيرون على خط الوسطية والاعتدال .....
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
تابع القراءة:

الأربعاء، 7 أغسطس 2013

أحكام وآداب عيد الفطر



الجزائر: عبد الحكيم ڤماز



العيد يوم يحمل السُّرور والفرحَ مع ذِكر الله تعالى فيهِ، وفيه الاستمتاع بالمُباح لأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يرى الأحباش يلعبون يوم العيد وعائشة تنظر من شقّ الباب إليهم وهُم يلعبون، ودخَل أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعنده جاريتان تغنيان بغناءِ (بعاث) وهذه معركة كانتْ بينَ الأوسِ والخزرجِ حصل بينهما قتال عظيم من الطائفتينِ، فكانتِ الجاريتانِ تغنيان بغناء هذه المعركة فزبرهما أبو بكر، فقال عليه الصّلاة والسّلام: ”دعهما يا أبا بكرٍ فإنّ هذا يوم عيد”.

@ على المسلم أن يحرص على إخراج زكاة الفطر الّتي جعلها الله عزّ وجلّ طهرة للصّائم من اللّغو والرّفث قبل صلاة العيد.

وأمّا أحكام وآداب عيد الفِطر، فهي:

صلاة العيدين سُنّة مؤكّدة، ووقتها بارتفاع الشّمس عن الأفق قَيْد رُمحٍ، ويمتد وقتها للزّوال فلا تُصلّى بعده لفوات وقتها، وهي ركعتان يُكبّر المصلّي في الركعة الأولى ست تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام فيكون التّكبير سبعاً، ثمّ يُكبّر في الركعة الثانية خمساً غير تكبيرة القيام، ولا يرفع يديه إلاّ في تكبيرة الإحرام، ومحل التّكبير قبل القراءة.

يستحب التّكبير في ليلة العيد من غروب الشّمس آخر يوم من رمضان إلى حضور الإمام للصّلاة، روى ابن عمر رضي الله عنهما: ”كان يغدو إلى المُصلّى يوم الفطر إذا طلعت الشّمس فيُكبِّر حتّى يأتي المُصلّى ثمّ يكبّر بالمصلّى حتّى إذا جلس الإمام ترك التّكبير”. كما يُشرَع الإكثار من ذِكرِ الله، قال الله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. وينبغي أن يرفع الإنسان صوته بهذا الذّكر في الأسواق والمساجد والبيوت، ولا ترفع النِّساء أصواتهن بذلك.

الاغتسال يوم العيدِ، فقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يستحب الاغتسال للعيدِ، وقد ذكرَ رفعَهَ إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم. التجمُّل والتزيّن يوم العيد، يلبس الرجل أحسن ثيابه، أمّا النّساء فلا تلبس الثياب الجميلة عند خروجها إلى مصلّى العيد؛ لقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ”وليخرجن تَفِلات” أي في ثياب عادية ليست ثياب تبرج، ويحرم عليها أن تخرج متطيّبة متبرّجة.

الأكل والشرب قبل الخروج للعيد، ففي الحديث عن أنس رضي اللَّه عنه قال: ”كان النّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم لا يغدو يوم الفطر حتّى يأكل تمرات ويأكلهن وتراً” رواه أحمد والبخاري.

إتيان مُصلَّى العيد ماشياً، ففي الحديث عن ابن عمر قال: ”كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخرج إلى العيد ماشياً ويرجع ماشياً” رواه ابن ماجه.

مخالفة الطريق في الذهاب والعودة، ففي الحديث عن جابر رضي اللَّه عنه قال: ”كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا كان يوم عيد خالف الطريق” رواه البخاري.

خروج جموع المسلمين للعيد حتّى النِّساء، روي عن أمّ عطية رضي اللَّه عنها أنّها قالت: ”أمرنا رسول الله صلّى اللَّه عليه وسلّم أن نخرجهن في الفطر والأضحى العواتق والحُيَّض وذوات الخدور فأمّا الحُيَّض فيعتزلن الصّلاة” وفي لفظ: ”المُصلّى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلتُ: يا رسول اللَّه إحدانا لا يكون لها جلباب قال: لتلبسها أختها من جلبابها” رواه الجماعة.

والسُنَّة لِمَن أتَى المُصلَّى ألاّ يُصلّي، ويجلِس يُكبِّر حتّى يخرُج الإمام، فعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: ”خرج النّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم يوم عيد فصلّى ركعتين لم يُصل قبلهما ولا بعدهما” رواه الجماعة. وعن ابن عمر رضي الله عنهما: ”أنّه خرج يوم عيد فلَم يُصل قبلها ولا بعدها وذكر أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم فعله” رواه أحمد والترمذي وصحّحه.
تابع القراءة:

الأربعاء، 20 مارس 2013

الداعية الشيخ آدم الألوري



صاحب مقال / مهدي ساتي


وُلد الشيخ آدم عبد الله الألوري لأبوين كريمين في جنوب نيجريا عام 1917م وتلقَّى العلم على والده ثم على كوكبة من العلماء داخل البلاد النيجرية وخارجها حيث سافر إلى عدد من البلدان الإسلامية الكبرى مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة، ثم القاهرة وأمدرمان، فالتقى فيها بعدد من العلماء الأعلام من أمثال الشيخ محمود أبو العينين، الشيخ شلبي، الإمام حسن البنا، الشيخ محمد الأمين وغيرهم من علماء ذلك العصر، وبعد ذلك عاد الشيخ إلى بلاده ليؤسس معهداً للتعليم العربي والإسلامي في مدينة أبيكونا عام 1952م لينتقل منها إلى مدينة لاغوس حيث تطور المعهد المذكور ليصبح في نهاية المطاف مركزاً إسلامياً جامعاً لمئات الطلاب القادمين من شتى أقطار القارة الأفريقية طلباً للعلم والمعرفة . وسُمِّي بالألوري نسبة إلى .مدينة ألورن بوابة الشمال إلى الجنوب النيجيري.

كان الشيخ آدم عبد الباقي حبيب الله بن عبد الله الألوري ـ فيما يبدو ـ مدركاً لقضايا عصره، ملماً بواقع المسلمين في زمانه الذي شهد صوراً متعددة من سيادة الاستعمار وغلبة الثقافة الغربية التي مهدّت لها جيوش أوربا الغازية لديار الإسلام، فكان بذلك شاهداً على عصره حيث وثّق لكثير من صور الصراع الثقافي بين الصليبية والإسلام من خلال كتاباته في تاريخ الثقافة الإسلامية في أفريقيا وقضايا الدعوة إلى الإسلام في بلاده، وتحديات العمل الدعوي، فكتب بذلك في التاريخ والفكر والأدب والثقافة فجاءت كتاباته موسوعية حاوية .

نال الشيخ الألوري كثيراً من الأوسمة والجوائز التشجيعية في حياته، منها وسام جمهورية مصر العربية في العلوم والفنون . وظل مركزه منارة للعلم والثقافة العربية في جنوب نيجريا ( بلاد اليوربا ) كما ظل الشيخ الألوري يواصل نشاطاته الدعوية والعلمية حتى وفاته في عام 1992م عن عمر يناهز الخامسة والسبعين بعد أن أثْرت كتاباته العديدة المكتبة العربية الإسلامية في مناطق حاول فيها الاستعمار مصادرة أصول الفكر والثقافة الإسلامية ولا يزال، كما هو الحال في جنوب نيجريا مركز قبائل اليوربا .

الدعوة والثقافة الإسلامية في نيجريا ومناطق الجنوب :

معلوم أنَّ الإسلام بدأ يخترق الصحراء جنوباً منذ الفترات الأولى لانتشاره في شمال أفريقيا خلال القرن الأول الهجري ـ السابع الميلادي ـ ثم بدأت قوافل التجارة تحمل معها دعوة الإسلام إلى بلاد الساحل والصحراء فوجدت تلك الدعوة قبولاً واسعاً في أوساط شعوب قبائل تلك البلاد لما اتسمت به تجارة ذلك الزمان من سماحة وأمانة وحكمة في التعامل مع تلك الشعوب امتثالاً لقوله تعالى(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل:125) الأمر الذي مَهَّد لقيام عدد من الإمارات الإسلامية التي مَكَّنت بدَورها لحركة الثقافة الإسلامية بدءاً من القرن الحادي عشر الميلادي الذي شهد تحول غانا إلى الإسلام، وانحياز إمارات التكرور إلى عقيدته، إضافة إلى تحول الإسلام حول بحيرة تشاد في السودان الأوسط إلى قوة حاكمة بظهور مملكة كانم ـ برنو ـ التي نجحت في بسط سلطانها السياسي على كثير من المناطق المجاورة بما في ذلك مناطق الهوسا في شمال نيجريا، فانتقلت الثقافة الإسلامية إلى تلك البقاع بعد أن سادت في كانم، التي قال فيها صاحب (إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور) (وقد انتشر الإسلام فيها انتشاراً بين سلاطينهم ووزرائهم وعامتهم، بل لا يوجد في هذه البلاد عامة إلا معتنون بقراءة القرآن وتجويده وحفظه وكتابته) وباستمرار التواصل بين هذه المملكة وبلاد الهوسا إضافة إلى المصاهرة والهجرات المتتالية والتجارة والحج، وتدفق العلماء، انتشرت الثقافة الإسلامية في شمال نيجريا وولاياتها التاريخية حيث وصلت كانو إلى ذروتها في الثقافة الإسلامية العربية بنهاية القرن الخامس عشر الميلادي، فلحقت بها ولايات أخرى في شمال البلاد كولاية كشنة وزكزك وغيرها فصارت جميعها ولايات إسلامية تعج بالمدارس القرآنية . بدأت طلائع الدعوة الإسلامية في الاتجاه جنوباً نحو حزام السافنا الغنية ومشارف الغابات في الجنوب النيجري عن طريق هجرات عدد من الهوساويين والبرناويين وغيرهم من التجار الذين تكاثرت أعدادهم فأسسوا عدداً من المدن والقرى ومنها ( ربوة السنة) التي تأسست حوالي 1700م وبدأ ظهور عدد من المساجد في كبريات مدن اليوربا حيث أسس مسجد مدينة أويو عام 1755م ومسجد مدينة (إسين) عام 1770م ثم مسجد مدينة لاغوس عام 1775م .

يُعَدُّ انتصار الثورة الفودية بقيادة الحبر المجاهد الشيخ عثمان دان فودي وتأسيسه خلافة سكتو في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، حدثاً تاريخياً فريداً في حركة انتشار الإسلام في غرب أفريقيا، وتحولاً ثقافياً عقدياً هائلاً في حياة شعوب الحزام السوداني العريض ، والشعوب المجاورة، وبطبيعة الحال شهدت البلاد النيجرية في الشمال والجنوب فصولاً من هذا التحول الثقافي والاجتماعي في ظل الثورة الفودية . وفي الحديث عن بلاد اليوربا يقول الشيخ الألوري : ( وهكذا كان يوجد الإسلام في بلاد " يوربا " مبعثراً ينتشر انتشاراً بطيئاً على أيدي التجار المتجوِّلين أولاً ثم على أيدي الدعاة المجهولين ثانياً، وكانوا يستعملون التيسير والتدرج في دعوتهم إلى الإسلام كذلك ظل فيها غريباً أو ضعيفاً أو محصوراً في بعض الجهات إلى أن قامت في مدينة ( ألورن ) دولة إسلامية تحت لواء ابن فودي .

عصر الألوري :

عالمياً شهد التاريخ وقوع حربين عالميتين وُلِدَ الشيخ الألوري عند نهاية أولاهما، وتم هزيمة الدولة العثمانية و من ثمَّ تمَّ إقصاء القانون الإسلامي فيها بعد استبداله بالقوانين الوضعية الأوربية وانتهى الأمر في عاصمة الخلافة الإسلامية بإعلان أتاتورك تعطيل أحكام الشريعة الإسلامية في بلاده في مارس عام 1924م ومنذ ذلك التاريخ صار مطلب إعادة تحكيم الشريعة الإسلامية أمنية تراود آمال المصلحين الإسلاميين في الوقت الذي وقعت فيه معظم البلاد الإسلامية والعربية تحت وطأة الاستعمار وسياساته المجحفة في حق الشعوب الإسلامية والعربية بحرمانها عن سيادتها والتمكين للصهيونية العالمية في أرض فلسطين، وقد وُلِدَ الشيخ الألوري في العام الذي شهد وعد بلفور .

أما في أفريقيا فقد شهد الجانب الغربي من القارة ـ كغيره من المناطق ـ تسابق الدول الأوربية على اقتسام أقطارها خاصة من القوتين المتنافستين آنذاك فرنسا وبريطانيا، وبدأت الشعوب المسلمة في أفريقيا جهادها لمقاومة الصليبية الجديدة، وعلى نطاق نيجريا فقد حشدت الخلافة الصكتية قواها لمجابهة البريطانيين الغزاة، حتى سقوطها في السابع والعشرين من يوليو 1903م، بعد أن خاض المسلمون معركة بطولية شرسة في وقعة بورمي بقيادة آخر سلاطين صكتو الشيخ الطاهر أحمد شهيد الجهاد والنضال ضد المستعمرين . وهكذا انتهت الخلافة الصكتية كسلطة حاكمة منذ إنشائها 1803م إلى سقوطها في 1904م، بعد أن ظلت قرناً كاملاً من الزمان، ولكن بقيت آثارها في نفوس المسلمين قوية محركة لطموحات المصلحين في إعادة بناء الأمة الإسلامية في هذه الربوع، ولذا كانت كتابات الألوري الكثيرة عن قيام ومجاهدات هذه الخلافة الإسلامية، وحينما أرَّخ الشيخ الألوري للإسلام في نيجريا بكتابه المهم : ( الإسلام في نيجريا والشيخ عثمان بن فوديو الفلاني المجاهد الإسلامي الأكبر لغرب أفريقيا والجد الأعلى للشهيد أحمد بلو) كان ذلك في محاولة منه لربط الماضي الجهادي بالحاضر البطولي لشهداء الإسلام في عصره .

عينَّت بريطانيا الجنرال F.Laugard مندوباً سامياً وحاكماً عاماً للبلاد ولضمان إحكام السيطرة على البلاد شرع لوغارد في إرسال الحملات العسكرية لتمشيط المنطقة من كل عناصر المقاومة الإسلامية وإخضاع الأمراء الذين رفضوا توقيع الاتفاق مع الإدارة الاستعمارية، وبعد ذلك أعلنت بريطانيا ضم المستعمرات الجنوبية والشمالية في حكومة واحدة وذلك في يناير 1914م التاريخ الذي يُعَدُّ بدايةً لتاريخ نيجريا المعاصر . وبعد الحرب العالمية الثانية قُسِّم الجنوب النيجري إلى مقاطعتين غربية وشرقية وبذا قُسِّمت البلاد إلى ثلاث مقاطعات، الشمالية والغربية والشرقية، وفي مؤتمر أبادن طالبت الولاية الشمالية ذات الكثافة الإسلامية العالية، بأن يكون لها الثقل في أي تمثيل دستوري في البلاد نسبة لكثافة سكانها فتمَّ الاتفاق على ذلك ومن ثمَّ تكوَّنت أحزاب سياسية في سائر الولايات وصدر الدستور لقيام حكومة اتحادية عاصمتها لاغوس، وعلى أثر مؤتمر لندن 58-1959م شُكِّلت حكومة اتحادية برئاسة الحاج تفاوة بليو، نالت بعدها البلاد استقلالها ضمن رابطة الشعوب البريطانية ( الكومنولث ) في 1960م وعندها تنازلت ملكة بريطانيا عن رئاسة البلاد لـ ( نامدي ازيكوي ) النصراني الذي صار حاكماً عاماً للبلاد، مع بقاء أبي بكر تفاوة رئيساً للحكومة وتم تقسيم البلاد إلى أربعة أقاليم على النحو التالي :

1- الإقليم الشمالي وأغلبية سكانه من المسلمين بنسبة 99 % .

2- الإقليم الجنوبي وسكانه خليط من المسلمين والمسيحيين والوثنيين .

3- الإقليم الغربي وسكانه خليط من المسلمين والمسيحيين والوثنيين .

4- الإقليم الشرقي وأغلبية سكانه من النصارى والوثنيين .

شهدت البلاد بعد ذلك أحداثاً مأساوية بالغة في تاريخها المعاصر، حيث قتل أحمد بيلو وأبوبكر تفاوه إثر انقلاب عسكري في سنة 1966م ثم أعقب ذلك انقلاب عسكري آخر بقيادة الجنرال يعقوب غاوون أحد جنرالات الهوسا المُتنصِّرين في الشمال، وبعد عام من ذلك شهدت البلاد قيام حركة انفصالية في الشرق بقيادة الجنرال أوجوكو الذي أعلن عن قيام دولة بيافرا واستمرت أحداث هذه الحرب الدامية ثلاث سنوات (67- 1970م ) لتنتهي بهزيمة قبائل الأيبو المتمردة بعد أن خَلَّفت آثاراً اجتماعية واقتصادية مدمرة في البلاد لا تزال آثارها باقية ، وتحت شعار إغاثة المنكوبين انفتح الباب واسعاً للمنظمات الكنسية في البلاد فكَثَّفت الإرساليات من وجودها الذي بدأ منذ أيام الاستعمار الأولى، وبدأت بعد أحداث بيافرا في محاولة تأكيد وجودها في الشمال المسلم فشهد الربع الأخير من القرن الماضي مشروعات تنصيرية مُكَثَّفة كان من أبرزها مشروع تنصير قبائل الفلاني الرُّحل في محاولات لاستمالتهم عن طريق تقديم المساعدات والخدمات الاجتماعية والبيطرية، بينما واصلت المنظمات الكنسية تعزيز وجودها في البلاد عن طريق المدارس الكنسية والجامعات الخاصة الأمر الذي ظل يثير حفيظة المسلمين في الشمال والجنوب، خاصة بعد أن عكفت دولة الكيان الصهيوني على تعزيز وجودها في البلاد عن طريق الشركات والمؤسسات الاستثمارية والأندية الشبابية كالروتاري وغير ذلك، الأمر الذي جعل العلماء المسلمين في البلاد من أمثال الألوري وغيره يلتفتون في كتاباتهم ومحاضراتهم إلى خطورة هذا الاتجاه التغريبي الذي ظل منذ أيام الاستعمار يستهدف أبناء المسلمين . ولتكثيف الجهود في مجابهة هذا الغزو الثقافي حفاظاً على هوية الأمة، تكَوَّنت أعداد من الجمعيات الإسلامية في البلاد كجمعية أنصار الدين وجمعية أنصار الإسلام ومجموعة إزالة البدعة واتحاد الشباب الإسلامي في نيجريا (Young Muslim Association of Nigeria ) (Y.M.A.N) ورابطة اتحاد النساء المسلمات في نيجرياً(Federation of Muslims Women Associatiom of Nigeria ) (FOMWAN) وجمعية الطلاب المسلمين في نيجريا (Students Society of Nigeria) وكذلك (Islamic Education Trust) وغيرها من العديد من الروابط والجمعيات الدعوية والخيرية .

شهد عصر الألوري في أواخر القرن الماضي خاصة صحوة إسلامية عارمة تطالب فيما تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد، خاصة بعد أن نجحت بعض الولايات في تطبيقها الأمر الذي أثار حفيظة النصارى في الداخل والخارج فكتبت (الغارديان) مُحذِّرة من تصاعد العمل الإسلامي في نيجريا حيث تقول : (علينا أن لا ننسى الدور الكبير الذي لعبه أولئك البداوة من المسلمين في تاريخ نيجريا على مَرِّ العصور ـ لعلَّ الإشارة هنا إلى قبائل الفلاني والهوسا ـ فالتعصب الديني يسود تلك القبائل لدرجة الهوس .. هكذا) ، وذلك إشارة منها إلى حركة الطلاب الجامعيين والمنظمات الشبابية وتصاعد مطالبات الرأي العام الإسلامي في نيجريا بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بعد أن نجحت عدد من الولايات في تطبيقها ومنها ولاية زمفرا وصكتو وكانو وكادونا والنيجر .

هكذا عاش الألوري عصراً مفعماً بالأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية في بلاده فكتب في السياسة والثقافة والاجتماع وشارك في حركة النهضة الثقافية الإسلامية في بلاده لأكثر من نصف قرن من الزمان .

ثقافة الألوري ومراحل تكوينه الأولى:

نشأ الشيخ آدم الألوري في بيت حسب ودين حيث عمل والده إماماً لجامع القرية وكان إمام الجامع يحظى في ذلك الزمان بمكانة اجتماعية مرموقة . وكانت دارهم ـ كما يروي الألوري ـ مفتوحة لكثير من العلماء العرب الجوَّالة القادمين من بلاد مالي وشنقيط ( موريتانيا ) وكان والده حريصاً على مجالس العلم حتى عاقه طلب الرزق عن حضورها فبدأ التجوُّل في بلاد اليوربا مصطحباً معه ابنه وفي ذلك يقول الإلوري : (وكان يأخذني معه في حِلِّه وترحاله فمنذ نعومة أظفاري يهتم بتربيتي على الأسلوب القاسي الشديد ويُعَلِّمُني ممَّا علمه الله من العلوم اللغوية والدينية إلى أن وصلت مدينة أبادن عام 1924م وهنا أطلق سراحي لكي أذهب إلى الشيخ صالح سبط أستاذه مالك . وبهذا انفتح أمامي منهج جديد في الحياة غير الذي سرت عليه عند والدي رحمه الله تعالى) .

تتلمذ الألوري بعد ذلك على الشيخ عمر أحمد الإمام (1909-1974م) أثناء إقامته بلاغوس، وصار يتردد عليه في المسائل الفقهية التي تستعصي عليه، وبعد ذلك أُتيحت له فرصة الالتقاء بأحد الأساتذة السوريين الذين عُرفوا بالعلم والأدب وفي هذا يقول الشيخ الألوري : ( جمعني الحظ السعيد برجل سوري اسمه السيد موسى الأمين، كان بزَّازاً ولكنَّه من رجال العلم والأدب، كنت أزوره في محله وأستفيد منه الدقائق في كل مرة، وهو العربي الوحيد الذي أخذت منه العلم والثقافة أيام طلبي). بعد ذلك انتقل الألوري إلى الشيخ آدم بن محمد العربي ابن آدم الكنوي وكان عالماً في مختلف الفنون فأخذ عنه علوم البلاغة والعروض والقافية ومبادئ المنطق والفلسفة والتصوُّف وذلك حتى عام 1944م .

أفرد الشيخ الألوري في مُؤَلَّفه (من هنا نشأت وهكذا تعلَّمت حتى تخرَّجت) فصلاً عن بقية أساتذته العرب ويقول في هذا (أما أساتذتي من العرب الأقحاح فلا أستطيع إحصاءهم عدداً ومنهم من استفدت منه موضوعاً كاملاً من مواضيع العلوم والبحوث، ومنهم من راجعته لحلِّ مشكلة في فصل وأبواب في كتاب أو كتب، ولماَّ سافرت إلى مصر لازمت الشيخ محمود أبو العيون الذي كان شيخ علماء الإسكندرية ثم صار السكرتير العام للمعاهد الأزهرية ومنهم الشيخ شلبي يحيى والشيخ عثمان مريزيق ومنهم الشيخ محمود شلتوت قبل أن يتولَّى المشيخة وبعد تولِّيه، ومنهم الإمام حسن البنا المرشد العام للإخوان، وكم من عالم فقيه لقيته في السودان العربي في الخرطوم وأمدرمان وغيرهما وكم من عالم استفدت منه في مكة المكرمة كالسيد علوي مالكي ومحمد الأمين وفي المدينة المنورة، أولئك الذين اكتملت بهم ثقافتي ثم بارك الله عليّ فيما أخذت من الجميع فجزاهم الله خيراً عني وعن سائر المسلمين .

وأخيراً فبجانب ثقافته الإسلامية العربية الواسعة، كان الشيخ الألوري مُلِّماً إلماماً طيباً باللغة الإنجليزية، اللغة الرسمية في البلاد النيجرية، ويبدو هذا جلياً في استفادته من عدد من المراجع الصادرة بتلك اللغة في بعض إصداراته .

فكر الألوري ومنهجه في التربية والتعليم والتأليف :

انتهج الألوري في حركته التعليمية منهجاً محورياً يقوم على الدعوة والإرشاد وفق مطلوبات الكتاب والسنة، عبر منهج بحثي يعتمد على الاستقراء والتحليل وشيء من الموضوعية تحرياً للأمانة العلمية، كما ظل الألوري في حياته العملية بعيداً عن الخلافات التي أقعدت الكثيرين عن الوصول إلى غاياتهم، ولعل مرد ذلك يعود إلى طبيعته التوسطية في الأمور، وفي ذلك يقول عن نفسه (الناس زعموني صوفياً، قلت نعم أنا صوفي ما دام التصوف مجاهدة للنفس ومهاجرة للسوء .. وبعضهم زعموني سلفياً، قلت نعم أنا سلفي ما دامت السلفية الإقتداء والإتباع للقرون الأولى في الإسلام لحديث "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، أنا سلفي ما دامت السلفية دعوة إلى تمسك بالكتاب والسنة من غير استهتار ولا استنكار ... أنا سلفي من غير حمل العصا على أحد من السلف والخلف .. أنا سلفي إذا كانت السلفية في الشريعة والعادات مرونة وتطوراً لا جموداً وتزمتاً هذا هو التسامح الذي تعلَّمناه من آبائنا وشيوخنا .

ظل الألوري في كتاباته وأعماله البحثية يتحرى نهجاً تأصيلياً واضحاً حيث يستشهد في كل أعماله بالقرآن الكريم والحديث الشريف ، وقد أفاد كثيراً من اطلاعه على كتابات السلف من الفقهاء والعلماء ، فهو كثير الاستشهاد بالإمام الغزالي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن خلدون والماوردي وانتهى إلى تحقيق كثير من أهدافه الدعوية والتربوية عبر وسائل من أهمها :

1- العمل عبر الندوات والمحاضرات واللقاء المباشر بالحاضرين .

2- الانكباب على الكتابة والنشر والتحقيق .

3- المشاركة في المؤتمرات المختلفة .

4- تأسيس المراكز الإسلامية والمدارس العربية والإسلامية .

بجانب ذلك كان الألوري مدركاً لأهمية التوثيق في كتاباته انطلاقاً من إيمانه بأهمية التاريخ في فهم الحاضر واستشراف المستقبل وفي هذا يقول في أحد مؤلفاته :

(بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على من لا نبي بعده، كان للتاريخ بين العلوم العقلية والنقلية مكانة لا تُجْهَل ومزية لا تُنْكَر وله أثره القوي في دفع عملية التقدم إلى الأمام لأنّ دراسة التاريخ لا تكون تسلية بذكر الوقائع والأخبار فقط، ولكنها تكون تذكرة وتربية بأحوال الأمم الماضية وبديانتهم المختلفة في الأعصر السابقة لتحسين الشئون في الحياة الحاضرة .. ومهما يكن الأمر من شيء فإن تاريخ كل أمة في المبدأ لا يخلو أكثره من الأساطير التي يتشدق بها البسطاء من عصرها السابق للتاريخ، والعصر التاريخي بالذات قد يسجل الأوهام والأكاذيب التي تنشأ من الجهل أو الغفلة أو تحمل الافتراضات والتخمينات التي تنشأ من التعصب أو الغيرة ولا يكاد ينجو من هذه وتلك إلا المُوفَّقون المنصفون وقليلٌ ما هم) . هكذا يفصح الألوري عن نظرة بحثية متكاملة في ما صار يسمى في العلوم الاجتماعية مؤخراً بفلسفة التاريخ، فنظرته تقوم على الاستقراء والنقد والتمحيص، حيث يقول في تقويمه لعدد من المراجع والمؤلفات في تاريخ الإسلام والمسلمين في غرب أفريقيا (ثم إنِّي طالعت الكتب المكتوبة باللغة الإنجليزية فألفيتها مزيجاً من الحق والباطل وخليطاً بالإخلاص والتعصب، كما وجدت نتفاً من الكتب العربية لبعض الرحالة العرب الذين زاروا البلاد زيارة عابرة وكتبوا مشاهداتهم وأضافوا لها أشياء منقولة من الكتب الإنجليزية، فجاءت كتبهم بضاعة مزجاة، ومن أجل ذلك نَهَضتُ لتَتَبُّع تاريخ هذه البلاد مستعيناً بمؤلفات أهلها، واعتمدت كتب الإنجليز فيما يخصهم لمعرفة تواريخهم) وقد نبه الألوري إلى مسألة لا تزال تؤرق كثيراً من الباحثين وتدور حول عدم اهتمام كثير من علماء أفريقيا بالتاريخ فكتب يقول : (علماء أفريقيا الغربية المسلمون القدماء لا يكترثون بتدوين حوادث بلادهم التي شاهدوها، ولا بدراسة أحوال أرضهم التي نشأوا فيها وترعرعوا فوقها، وإنما يطمحون إلى دراسة أحوال البلاد النائية ويصرفون النظر عن بلادهم الدانية إلا ما كان منذ أربعمائة سنة حيث بدأ قليل من العلماء يسجلون تاريخ بعض الأمراء والعلماء في هذه البلاد، وبالطليعة الأولى منهم أحمد بابا التمبكتي المتوفى 1003هـ، وعبد الرحمن السعدي، وآل فودي وتلاميذهم ، هؤلاء الذين بحثوا في التاريخ الأفريقي القديم وتركوا لنا منه شيئاً نستضيء به في البحث ونهتدي به في التأليف) .

بهذا الفهم العميق والتحليل المتميز وضع الألوري يده على إحدى أكبر إشكاليات البحث العلمي التي لا تزال تواجه الباحثين في قضايا التاريخ والثقافة الأفريقية، لافتقارها إلى مقومات التوثيق لضعف المصادر التاريخية وغيابها في معظم الأحيان، وقد عزا الألوري ذلك إلى أسباب أبان بعضاً منها .

مؤلفات الشيخ آدم الألوري العلمية:

1- كتاب الدين النصيحة:

2- كتاب الإسلام في نيجريا والشيخ عثمان بن فوديو الفلاني :

3- كتاب موجز تاريخ نيجريا :

4-كتاب توجيه الدعوة والدعاة في نيجريا وغرب أفريقيا :

5- كتاب الإسلام وتقاليد الجاهلية:

6-الإسلام اليوم وغداً في نيجريا:

7- أشعة العقول والنقول على أضواء القنديل والفضول :

8- رسالة في تقديم وتحقيق منظومة صرف العنان عن طريق النيران إلى طريق الجنان للواعظ الأديب محمد مود بن محمد الفلاني:

9- كتاب مصباح الدراسات الأدبية في الديار النيجرية :

8 ــ الكتب المدرسية :

ألّف الألوري عدداً من الكتب المدرسية لطلاب المراحل الإعدادية والثانوية وذلك في التاريخ والتاريخ الإسلامي، والجغرافيا بصورة مبسطة، مما يدل على اهتمامه بتعليم الناشئة وتبسيط المعارف بالصورة التي تناسب مقدرتهم في الاستيعاب والفهم والتفكير .

تَعَرَّض الألوري كما ذكرنا إلى بعض النقد من بعض معاصريه ولعل من أشهرهم صاحب كتاب (أضواء على كتاب الإسلام اليوم وغداً في نيجريا) وقد قام الألوري بالرد عليه في رسالته ( أشعة العقول) كما مرّ بنا إلا أنه بدا منفعلاً في ردوده كما أسلفنا، وتنبعث معظم الحيثيات والدعاوى الواردة المذكورين فيما يبدو من بعض الحساسيات القائمة بين مسلمي الشمال الهوسا ومسلمي الجنوب اليوربا والتي آن الأوان لتجاوزها في ظل الضغوط التي تواجه المسلمين في الشمال والجنوب وقد أخذ صاحب الكتاب على الألوري ما قد يفهم منه بأنه تضخيم من جانبه لشوائب العلاقة بين المجموعتين .

إنَّ مجهودات الشيخ آدم الألوري على تنوعها في مجال الكتابة والبحث والتأليف، وقيمتها الكبيرة في بث الوعي الثقافي والمعرفة، لا تخلو بطبيعة الحال من بعض المآخذ وقديماً قال علماء المسلمين بأنَّ من صنَّف فقد استهدف، أي صار هدفاً يرمى بالأقاويل، ومن بعض هذه المآخذ جنوح الشيخ الألوري إلى التعميم بما قد ينافي الدقة في بعض الأحيان ..من أمثلة ذلك حديثه عن بلاد (التكرور) باعتبارها (نيجريا)، بينما المعلوم أنَّ أقطاراً أخرى معاصرة تشارك نيجريا هذا المصطلح منها مالي والسنغال وربما غير ذلك، ومن عدم الدقة في استعمال المصطلحات مثل استعماله مصطلح (التفرقة العنصرية) في حديثه عن علاقات الشمال النيجري بالجنوب، حيث أنَّ الأمر على ما قد يكون منه لا يرقى لأن يكون تفرقة عنصرية بالمعنى المتفق عليه في عالم اليوم، يضاف إلى ذلك ظاهرة تكرار الشيخ لبعض المعلومات في أكثر من مؤلف ومكان، إضافة إلى عدم التطابق الدقيق بين عناوين الكتب ومحتوياتها في بعض الأحيان، فكتابه (نظام التعليم العربي وتاريخه في العالم الإسلامي) على سبيل المثال، يحوي فصولاً عن التعليم في إنجلترا وفرنسا وأمريكا وغير ذلك في مباحث مستقلة، مما يُعَدُّ خروجاً بعض الشيء على جوهر الموضوع . من جهة أخرى فقد يُعاب على الشيخ العلامة على تمكنه وسلامة عبارته، تطويل العناوين التي يضعها لبعض مؤلفاته، وأخيراً فاعتداد الألوري الكثير بشخصه مما يلحظه القارئ من خلال الإطلاع على مؤلفاته النفيسة فتح الباب لحديث بعضهم، كما أنَّ جنوحه للانفعال والغضب في الرد على خصومه كما في رسالته (أشعة العقول) لا تتماشى مع ما عُرَفَ عن العلماء من الحلم والتسامح والموضوعية وإن عُرِفَ بعضهم بالحدة .

على الجانب التطبيقي ظلت برامج المركز العربي الإسلامي الذي أسسه الشيخ تقوم بدورها الفاعل في نشر الثقافة الإسلامية واللغة العربية، فقد كان الألوري معتقداً مفاخراً باللغة العربية في بلاد سيطرت عليها الإنجليزية ، وفي هذا يقول (كفى العرب شرفاً أنَّهم أقرب الناس انتساباً لرسول الله eوكفاهم فخراً أنَّ لهجتهم أقرب لساناً لكتاب الله وكفاهم تكاثراً أنَّ كل من تكلم بالعربية صار عربياً) غير أن استبعاده للإنجليزية في مناهج مدرسته عُدَّ حاجزاً لطموح طلابه الخريجين في المشاركة الحياتية والوظيفية العامة في بلاد لغتها الأولى هي الإنجليزية وهو ما استدركه تربويون آخرون في البلاد وعلى رأسهم الشيخ الأستاذ كمال الدين الأدبي الذي يُعَدُّ شيخ علماء مدينة ألورن وعلماً من أعلام التربية المعاصرين فيها .

لقد كتب الألوري في السياسة والدين والدولة في الإسلام والتقى بمنظمات إسلامية منها جماعة الأخوان المسلمين في مصر ومرشدها الإمام حسن البنا وظلَّ يردد ذلك في مؤلفاته وسيرته الذاتية، إلا أنَّه لم يؤسس لفكره السياسي الإسلامي الذي كتب عنه وأفاض بنفس القدر الذي كتب فيه عن الثقافة الإسلامية، وأسس لذلك مركزاً تعليمياً عملاقاً تخرج فيه مئات الطلاب وصار أنموذجاً يحتذى به في التعليم والإرشاد والدعوة ، أخيراً كان الألوري جريئاً في نهجه الإصلاحي لا يأبه بالمخاطر في سبيل إيصال رسالته الإرشادية، ونقده لما يخالف الأصول الشرعية من عادات وتقاليد، ومن أمثلة ذلك أبيات له يقول فيها منكراً على بعض عادات وتقاليد قومه وعشيرته :

ليت قومي جهـلوا معنى الحياة ** وأساؤوا فيه حتماً وابتداء

هكذا قد جهلوا التواضع وبنوه ** في سجــود وانـحناء

خلع نعل جعـلوه واجباً لهـم ** مثـل وصـول للفـناء

وانبـطاح عنـد الســـلام ** وبروك لهـم عنـد اللقاء

في مقام الحق أوجبوا السكوت ** وأباحوا الكذب والقول الهراء

وغـروراً والدعـاوى الكاذبة ** صـيروها مذهـباً للعلماء

كل مـن خالفـهم في هـذه ** وصفـوه بالـذي منه براء

وفاته:

انتقل إلى رحمة الله تعالى في سنة 1992م.

ولمزيد من هذا رجاع إلى مكتب وهب فى مصر / محافظة القاهر /ميدان عتبه



تابع القراءة:

الاثنين، 18 مارس 2013

النهضة الأدبية في النيجيريا



إن تراثنا الأدبى النيجيريا الذى كتب باللغة العربية لجدير بالدراسة والبحث . فنيجيريا كما هو معروف ليست بلدا عربيا , يتكم سواد الشعب فيها بلغاتهم المحلية , ولكن اللغة العربية قد دخلت إلى بعض ممالك نيجيريا كولايات هوسا و يوربا عن طريق التجارة والدين الإسلامي , ومما يؤكد هذا , ما جاء فى كتاب " حركة اللغة العربية للدكتور أحمد سعيد وغيره , ان ذلك الاتصال بين العرب وولابات نيجيريا يرجع الى القرن العاشر الميلاد ى , و أن بعض تلك الممالك أمثال كنو ـ كثنة و زكزك التى اشتهرت فيما بعد وأسهمت فى نشر اللغة العربية والدين كانت فى نفس الوقت مراكزتجارة هامة , وتلك الممالك لم تزدهر الافى القرن العاشر الملادى . ولقد ذكر الشيخ عبد الله فى قصيدته الجمعية المشهورة وجود علماء ومدرس يلتف حولها طلبة العلم . يقول فيها :

ومدارس أضنى بحب شهودها ** فيها نجاح حوائح المتحوج

وجحاجح علماء يحلب رفدهم ** كل كبحر فى العطا متموج

فاللغة العربية فى نيجيريا لم تكن الا لغة ثانية , وهي لغة الدين و الثقافة , وأن الشاعر النيجيريا إما أن يكون شاعرا مطبوعا فيقرض الشعر بلغة المحلية أولا , ثم يتثقف بثقافة غربية إسلامية , وتجيش عواطفة ومشاعره بعد ذالك فيقرض شعرا باللغة العربية , ثم أكثر الشعراء فى نيجيريا لم يعرفوا فى تلك الفترة " جريرا " ولا الفرزدق ولكنهم قرءوا لامرء القيس والنابغة وزهير وغيرهم من فطاحل الشعراء الجاهليين , كما عرفوا شيئا عن كعب وحسان بن ثابت , وربما السبب يرجع إلى منهج الدراسة فى الأزهر الشريف وغيره الذي أثر تاثيرا بالغا على طريقة التعليم فى العالم الاسلامى بأجمعة فى تلك الفترة , ولعل الذبن جاوروا الأزهر من علماء نيجيريا ودرسوا فيه رأوا تغليب جانب العلوم الدينية واللغوية فى دراساتهم على الجانب الأدبى , وايثار مقامات الحريرى والقصائد الجاهلية من بين النماذج الأدبية . وسأختم هذه المقالة بنموذج المدح لمحمد البخارى بن عثمان بن فوديو المجاهد أكبر يمدح بها عمه عبدالله بن فوديو , ومطلعها :

أصحوت أم هاجت هواك منازل ** عفى معارفها البلى وهواطل

"بتلاثامى" "أو" "بجن " فما بها ** إلا نعام ترتعى وفراعل

دار عهدت بها الحلول وكل من ** أهوى معى , والعيش باجل

ولقد وقفت برسمها مستخبرا ** عن أهلها والدمع منى سائل

لله درك هل وقوفك نافع ** برسومها أم هل لدمعك طا نل

ولقد حباك الدهر شيخا ماله ** فى العلم فى تلك الأراضى ماثل

اعنى اما العصر عبد الله من ** ساد الشيوخ النيل مذ هو شابل

شيخ العلوم خدمها تباعها ** حدن التقى الحبر النيل الكامل

علامة القرآن حاوى السبق فى ** علم الحديث وفى الباغة كافل


محمد ثاني أبوبكر النيجيريا

تابع القراءة:

الجمعة، 15 مارس 2013

الغزو الفكري للعالم الإسلامي



سم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الأمين وبعد:

فإنه من البدهيات التي لا يتمارى فيها العارفون أن الكفار - وبالأخص أهل الكتاب - لا يألون جهداً في التأثير على المسلمين في عقيدتهم وسلوكهم ويودون لو يكفرون مثلهم، أو يرتدون عن دينهم ( الإسلام ) على الأقل. لذلك كانوا - دائماً وأبداً - على طول التاريخ الإسلامي لا يتركون وسيلة تخدم غرضهم هذا إلا سلكوها، أحياناً بالوسائل الخفية وهذا هو الغالب حين تكون الأمة الإسلامية قوية مهيبة مهيمنة وأحياناً بالوسائل المعلنة والخفية عندما يكون الكفار في مركز أقوى وهذا هو ما حصل في العصور المتأخرة حين قويت الدول الغربية، وضعف المسلمون وركنوا إلى الذل والخمول،

وإنه لمن أخطر وأشد الوسائل التي سلكها الغربيون للكيد للمسلمين - أخطبوط الغزو الفكري الرهيب، وهو غزو مركز هادف، ومدروس ومنظم، تعاونت فيه قوى تملك إمكانيات مادية ومعنوية وبشرية هائلة تبدأ بالاستشراق ثم الابتعاث، فالتبشير والاحتلال، والإعلام، ثم المؤسسات والمنظمات المتخصصة لهذا المجال، كالماسونية والصهيونية وما شاكلهما.

تاريخ الغزو الفكري الحديث:

أشرت آنفاً إلى أن كيد الكفار للإسلام والمسلمين مستمر وهو سنة من سنن الله في الحياة، لكنه يتغير في أشكاله ووسائله وأساليبه بمتغيرات الحياة وإمكانات البشر. لذلك تجد له في العصر الحديث طابعاً مميزاً يختلف في شكله ووسائله عن أسلوبه في القرون الإسلامية الأولى، والسبب في ذلك أن فترة الركود الفكري التي خيمت على العالم الإسلامي والتي تزيد على خمسة قرون مضت، تعتبر فاصلاً زمنياً بين تخلف الأمة والحضارة الإسلامية عن قيادة البشرية، وظهور الحضارة لجاهلية الغربية وتسلمها لهذه القيادة فإن المسلمين خلال هذه القرون، وإن كانوا قد تفوقوا عسكرياً في ظل الدولة العثمانية، حتى نهاية القرن الثاني عشر الهجري، إلا أنهم كانوا يتقهقرون عقائدياً وعلمياً وفكرياً لأسباب ربما يكون أهمها:

1- ضعف الصلة بالله تعالى والبعد عن السنن الثابتة.

2- دعوى بعض الفقهاء المتأخرين بإغلاق باب الاجتهاد في الوقت الذي كانت فيه الدولة العثمانية أحوج ما تكون إلى تبني واستيعاب التقدم العلمي حيث كان الغرب قد بدأ من حيث انتهت الحضارة الإسلامية في الأندلس وبدأت النهضة العلمية والفكرية في الغرب تسير سيراً حثيثاً على أيدي خريجي الجامعات الإسلامية من أبناء الغرب - البعثات الغربية إلى المدارس الإسلامية - وهم كثيرون وقد كانوا طلائع الغربيين على الحياة والحضارة الإسلامية.
وما تلا ذلك من دراسة العلوم الإسلامية والاستفادة منها من قبل الغربيين، تلك الاستفادة التي بدأت تظهر ثمارها في الغرب بعد قيام الخلافة العثمانية وحين هم المسلمون - في القرنين الأخيرين بأن يفيقوا، وجدوا الغرب قد سبقهم في مضمار العلم، والتقدم المدني والصناعي سبقاً بعيداً، فأصيبوا بصدمة الانبهار، وعقدة الشعور بالنقص، فضعفت عندهم المناعة والمقاومة أمام الاحتلال والغزو الفكري.
ومع الغزو الفكري، الذي جاء من الغرب ن عبر الاحتلال والتبشير وفي أحضانه - نشأت الاتجاهات العلمانية الحديثة في العالم الإسلامي امتداداً للاتجاه المادي الحديث في الغرب وهذا الغزو يتمثل في حركات التبشير والاستشراق والاحتلال أولاً. ثم في البعثات واستيراد الأنظمة الغربية من قبل المسلمين أنفسهم ثانياً.

لذلك سأعرض بإيجاز لتاريخ هذه الحركات كلها إن شاء الله:

  أ - تاريخ الاتجاه العقلي في الغرب:
لقد ظل التدين النصراني (الكنسي المحرف) هو السائد في الغرب، ونصوصه هي المتحكمة في حياة الناس ومصائرهم ن وظل الأمر كذلك طيلة القرون السبعة عشر الميلادية، بالرغم من الآراء التحررية، التي أعلنها بعض المفكرين وطلاب البعثات الغربية، الذين درسوا في المدارس والجامعات الإسلامية، في الأندلس والمغرب، والذين اتصلوا ( عبر الحروب الصليبية ) بالشرق الإسلامي، وبالرغم من ظهور تلك الموجة التحررية من أمثال لوثر ( 1438م - 1546 )، وكالفن ( 1509 - 1564م ).. حيث كانت لآراء هذين وأمثالهما أكبر الأثر في تحرر الغرب من سلطات الكنيسة المتحكمة، وعصابات ما يسمى (برجال الدين) هناك، ومع ذلك بقي سلطان الكنيسة هو الأقوى، يُحرق ويشرد ويقتل المفكرين، وفي القرن الثامن عشر بدأ سلطانها يتقهقر بتقدم العلم وتنور العقول، وظهر الاتجاه إلى سيادة العقل أو ما يسمى ( بالتنوير ) والتحرر من تعاليم الكنيسة المتحجرة وتحكيم العقل، وإطلاقه من إساره، لينظر ويبدع، ويستنبط ويمارس الحياة ويفكر في ملكوت السماوات والأرض ما استطاع، وكان هذا الاتجاه الذي تأثرت به أوربا أثناء اتصالها بالمسلمين، يعتبر بحق أساس التقدم العلمي الباهر الذي وصل إليه الغرب الآن. ومع هذه الحركة العقلية حدثت ردة الفعل ضد الدين - كل دين - عنيفة بسبب موقف تعاليم الكنيسة الباطلة، فحدث هذا الانفصام المزعوم بين الدين والعلم، فقامت هذه الحضارة الغربية على المادية البحتة والعلمانية والإلحاد، فكان من جراء ذلك أن أصيبت البشرية بالخواء الروحي الذي لا يقل خطراً على مصير الإنسانية من تعنت الكنيسة من قبل، فاتجه العلم والتقدم إلى تهديد البشرية بالدمار وكلما زاد التقدم العلمي في الغرب زادت الفجوة بين الدين والحياة الواقعية، وبين المادة والروح، فأنشأ هذا الفصام أجيالاً حائرة قلقة، لا تعرف للفضيلة قيمة ولا للسعادة معنى، تحمل حتفها بعلمها وتقدمها، فاعتنقت مذاهب نكدة فاسدة تعذبت بها أيما عذاب . كالشيوعية والفوضوية والوجودية، وكثرت النظريات الهدامة وحركات الهيبز والإباحية، وجاءت هذه التيارات المتناقضة كلها إلى العالم الإسلامي وساهمت في نشأة الاتجاهات والمذاهب الهدامة وأبرزها العلمانية بين المسلمين. هذا وكان لليهود والمنظمات والمؤسسات التي تخدمهم أكبر الأثر في توجيه هذه التيارات لإفساد الأديان والأخلاق.

ب- الدراسات الاستشراقية:

عندما نبحث تاريخ الاستشراق، نجد أنه مر بمرحلتين أولاهما - ولا تهمنا كثيراً في مثل هذا البحث - مرحلة سلبية بالنسبة للغربيين، وهي مرحلة النقل والتلمذة على المسلمين، حين كانت أوربا ترسل بعثاتها العلمية للاستفادة من الحضارة الإسلامية، المزدهرة في الأندلس والمغرب ومصر والشام، وسائر بلاد المسلمين، وهذه المرحلة مبكرة جداً، ولم يكن فيها المستشرقون إلا مجرد نقلة وعالة على المسلمين، وما كانت دوافعهم إلا إفادة قومهم وبلادهم في الغالب، وهذه الحركة الاستشراقية الأولى هي التي بدأت منها بذور التنور الفكري والعلمي في أوربا فيما بعد، كما ذكرت آنفاً. وهذه المرحلة كانت قبل الحروب الصليبية وقبل سقوط الأندلس الإسلامية. أما المرحلة الثانية من مراحل الاستشراق: فهي مرحلة هادفة من قبل الغربيين وهي مرحلة دراسة الإسلام أولاً - وهو المهم - عقيدة وشريعة وتاريخاً، ودراسة سائر أحوال الشرق وأديانه وعلومه وتاريخه . والذي يهمنا هو الجانب الإسلامي في هذه الدراسات.
وهذه المرحلة تبدأ مع نهاية الحروب الصليبية وأفول الحضارة الإسلامية في الأندلس مع نهاية القرن الخامس عشر الميلادي ، حيث بدأت دراسة الإسلام وتاريخه، بأسلوب لا يخلو من العصبية، من أمثال: بوستل ( 1505 - 1581م ) وفاتيه ( 1613 - 1667م ) والباجو (توفي: 1520م ) والأب ماراتشي ( 1602 - 1700م ) ( ). ومع بداية القرن التاسع عشر بدأت الدراسات الاستشراقية بأسلوب أشمل وأكثر تنظيماً، بروح دينية صليبية ويهودية واستعمارية غربية حاقدة ماكرة، أكثر من ذي قبل . لأنها واكبت الاحتلال الغربي للعالم الإسلامي، وكانت أهم دوافعها خدمة هذا الاحتلال لزعزعة كيان المسلمين مادياً ومعنوياً، كما أنها انبثقت عن روح الانتقام من الأمة الإسلامية التي غزت أوربا في عقر دارها، وطردتها من الشرق كله، وقضت على الدولة النصرانية، ولا ننسى أن الغرور العلمي المتغطرس الذي يحمله الغربيون بعد تقدمهم الحضاري، جعلهم يدرسون الإسلام بروح الناقد المحتقر، والخصم والحكم، والعدو المنتصر والمتشفي المنتقم. ومع الاحتلال الغربي للعالم الإسلامي، في القرن التاسع عشر، بدأت البحوث والدراسات والأفكار الاستشراقية، تغزو العالم الإسلامي من الداخل، وتشكل عاملاً أساسياً من عوامل نشر وإبراز الاتجاهات العلمانية والمذاهب الهدامة وكانت كلها تدور حول الآتي :

أ- إثارة الشبه والاعتراضات في العقيدة الإسلامية.
ب- الطعن في صحة القرآن لكريم والسنة النبوية والرسول صلى الله عليه وسلم ورسالته.
ج- التشكيك والتهكم بالمغيبات بدعوى أنها تخالف العلم الحديث ولا تثبت علمياً.
د- إثارة الشبه حول الشريعة الإسلامية في أصولها ومناهجها، ودعوى أنها من بقايا العصور المظلمة، ولا تصلح للعصر الحديث ومن ثم إبعادها عن مجال التطبيق.
هـ- إعادة تقييم الإسلام، عقيدة، وشريعة، وتاريخاً من جديد على ضوء العلم المادي الحديث، ومن ثم التطاول لإدانة الإسلام.
و- فصل الأجيال المسلمة بكل وسيلة عن ماضيهم الإسلامي، وربطهم بالغرب بدعوى الاحتياج والمسايرة والتطور. وكل هذه البحوث والدراسات صارت هي المرتكز الأول في الاتجاهات الفكرية الحديثة كما سنرى بعد إن شاء الله.

ج- الاحتلال الغربي لديار الإسلام:
قد لا يهمنا كثيراً تاريخ الاستعمار قبل القرن الثامن عشر، لأنه لم يكن ذا خطر بالنسبة لموضوعنا هذا، فالاستعمار الهولندي والبرتغالي لبلاد الإسلام كان قبل هذا التاريخ، وكانت أهم دوافعه مادية وانتقامية، لم تحمل فكراً غازياً. فأول استعمار غربي - كان له خطره وأثره الحضاري - على العالم الإسلامي، تلك الحملة التي قام بها نابليون بونابرت، إمبراطور فرنسا، على مصر عام 1797م حتى عام 1801م فلهذه الحملة أثر كبير في تكوين عقليات بعض المسلمين، الذين أصيبوا بالانبهار والإعجاب بمظاهر ما يسمى بالمدنية والتقدم العلمي، الذي كانت تحمله الفرقة الفرنسية، فقد جهز نابليون حملته بأشياء كثيرة من مظاهر الإنتاج الغربي، وبفريق من العلماء والباحثين في سائر التخصصات العلمية، منها مجموعة من المستشرقين المتخصصين بالدراسات الشرقية والإسلامية، مما كان له أكبر الأثر عند ضعاف العقول، من أنصاف المتعلمين من المسلمين، الذين ألفوا حياة الركود والسلبية والتواكل، وفقدوا صفاء العقيدة وسلامتها
وقبل ذلك بدأت حرب الإنجليز في الهند المسلمة بعد عام 1756م فأسست بريطانيا شركة الهند الشرقية ثم تحولت هذه الشركة إلى حكومة عام 1858م فعملوا على القضاء على قوة الإسلام، وانتشاره هناك بشتى الوسائل، واهتموا بإيجاد فرق واتجاهات عقلية، لإضعاف العقيدة الإسلامية، التي تجعل المسلم يشعر بالاستعلاء والعزة، وعدم الاستسلام للأجنبي، فأيدوا حركة السيد أحمد خان، التي قامت على تقريب المسلمين للإنجليز والدعوة إلى قبول الاحتلال والرضا به، والتقليل من أهمية الجهاد، وتفسير العقيدة والفكر الإسلامي على ضوء الفكر الغربي ليساير الحياة الغربية. وبعد الحرب العالمية الأولى اقتسم الغربيون بلاد الإسلام كغنائم فاحتل الفرنسيون الشام عام 1920م والإنجليز العراق أيضاً عام 1920م وقبل ذلك كانت مصر تحت الاحتلال الإنجليزي منذ عام 1882م ثم السودان منذ عام 1889م ( )، كما كانت الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي منذ عام 1830م ( ) ثم تونس، وليبيا التي احتلها الإيطاليون. وكان للإنجليز نصيب الأسد من البلاد الإسلامية فبقي تحت سيطرتهم الهند وجنوب الجزيرة العربية والخليج العربي والعراق ومصر والسودان وغيرها.

وقد ركز المحتلون الغربيون، أثناء إقامتهم في العالم الإسلامي، على الأمور التالية
- تشجيع التبشير وتمكينه في البلاد الإسلامية.
- فصل الدين ( الإسلام ) عن الدولة والحياة، وإلغاء العمل بالشريعة الإسلامية.
- تربية جيل من أبناء المسلمين على الفكر والسلوك الغربي وعزله عن عقيدته وتاريخه وأمته، ثم اصطفاء نخبة من هؤلاء ليصنعهم الغرب على عينه، وقد ولاهم مقاليد البلاد بعد خروجه منها، فعاثوا فيها فساداً.
- توجيه مناهج التعليم والتربية والإعلام والثقافة والفكر والأدب، وغيرها، وصبغها بالصبغة الغربية الخالصة، وإبعاد المفاهيم الإسلامية الأصيلة. - العمل بكل وسيلة على عرقلة النهضة الإسلامية فكرياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً لتبقى بحاجة إلى الغرب، فيأمن عودة روح الجهاد بين المسلمين، لذلك اهتم كل الاهتمام بضرب الحركات الإسلامية.
- إثارة الشبه والشكوك وتشجيع المثيرين لها بين أنصاف المثقفين والشباب الناشئين.
- عرض الأفكار والنظريات والفلسفات الغربية الهدامة وإيجاد خلايا لها بين المسلمين كالشيوعية، والاشتراكية والوجودية، والقومية، والوطنية، والإباحية . ألخ، وتمكين أصحاب تلك الاتجاهات في الداخل من مراكز القيادة والتوجيه.
- تشتيت بلاد الإسلام، جغرافياً بتقسيمها إلى دويلات، وفكرياً بتشجيع الفرق والأقليات غير الإسلامية، وسياسياً بإيجاد الاتجاهات السياسية والأحزاب لكل دولة.
- بث الأفكار الثورية، والاتجاهات الفوضوية، وتشجيع وإثارة المراهقين فكرياً وسياسياً لضمان عدم الاستقرار السياسي في البلاد الإسلامية. وذلك بتكوين وتشجيع الأحزاب السياسية التي تحتوي الأفراد ذوي الميول الحادة وحب المعارضة وعشاق الشهرة.

د- التبشير [ التنصير ]:
أما التنصير فإنه بدأ في جاوة وسيلان ( من العالم الإسلامي ) منذ مطلع القرن الثامن عشر الميلادي، وفي القرن التاسع عشر ظهر التنصير بشكل منظم في العالم الإسلامي كله، فانتشرت الإرساليات، والمدارس التبشيرية في كل مكان، وكان التنصير هو الأداة الأولى التي يسخرها الاحتلال لأغراضه المتعددة، فقد عرف المنصرين على الواقع المؤلم الذي يعيشه المسلمون الذين أخذوا يبحثون عن خلافتهم، حين ضيعوها بجمودهم وخمولهم، وتواكلهم، فغزاهم المنصرون في عقر دارهم ووصل الأمر بهم - أي النصارى - إلى أنهم كانوا يعقدون مؤتمراتهم لهدم كيان المسلمين والكيد للإسلام في سائر بلاد الإسلام وخاصة المدن الزاخرة بالعلماء والمثقفين والمفكرين. فعقدوا ي القاهرة أكثر من مؤتمر تنصري. وكذلك في القدس أكثر من مرة أيضا. وفي تونس وقسطنطينة الجزائر وفي لكنوء بالهند وفي بيروت وفي أدنبره ( ) فيا ترى أين المسلمون؟ !

هـ - انفتاح العالم الإسلامي على الغرب:

لقد تفطن بعض سلاطين الدولة العثمانية مبكرا لأهمية التقدم العلمي للدولة الإسلامية خاصة من الناحية العسكرية حين رأى الدول النصرانية قد سبقت في هذا المضمار فقد استعان السلطان سليم الثالث بالنظم الغربية العسكرية واستجلب المهندسين الأجانب لتعليم المسلمين الصناعات والنظم العسكرية المبتكرة عام 1796 م لكنه لقي معارضة من بعض العلماء - خوفا على الروح الإسلامية - دون أن يوجد البديل أو يهتموا في تعمير وتقدم الدولة الإسلامية من الداخل وبإمكانات المسلمين أنفسهم مما كان له أسوأ الأثر فيما بعد ووقفت الإنكشارية ( من الجيش التركي ) مع هؤلاء والسلطان سليم الثالث حين حاول التطوير لم يعمل بوسائل الحيطة لحفظ الكيان الإسلامي فكريا وعقائديا , ثم جاء السلطان محمود الثاني وقضى على الانكشارية عام 1828 م فتمكن من إدخال النظم والصناعات العسكرية الحديثةأيضا. وكذلك فعل محمد علي في مصر عام 1805 م فقد أرسل بعثات من أبناء المسلمين للدراسة في الغرب وفي الوقت نفسه افتتح والي تونس كلية العلوم الحربية كل أساتذتها غربيون ( ) لكنه حين فعل ذلك لم يحتط للحفاظ على الروح الإسلامية لدى المتعلمين من أبناء المسلمين مما جعلهم بدافع إعجابهم بمعلميهم الغربيين يتصفون بالنزعة العلمانية بل يحاولون تقليدهم تقليدا أعمى حدا بهم إلى التنكر لدينهم وأمتهم. وفي إيران أيضا افتتحت كلية للعلوم والفنون عام 1852 م قامت على أساس غربي بحت. ( ) لقد كانت هذه الخطوات تبدوا طبيعية تقتضيها المصلحة أول الأمر إنما كانت تنقصها الحكمة والحيطة والوعي من قبل المسلمين أنفسهم لا سيما بعض العلماء الذين رفضوا بشدة الاستفادة من الغرب دون قيد أو شرط والحكام الذين قبلوا وأقبلوا على الاستفادة من الغرب دون قيد أو شرط كلا الفريقين جنى على الإسلام ولا شك وعلى أبناء المسلمين الذين تعلموا العلوم الوافدة. المهم أن الصراع انتهى آخر الأمر بانتصار المستغربين وخسرت الأمة الموقف المعتدل الذي يفيد من الغرب بقدر ما يقوي الأمة ويلحقها بمن سبقها في مضمار الصناعات والعلوم النافعة التي لا تصدم مع العقيدة الإسلامية ويقيم الحياة والدولة الإسلامية على الإسلام. فحاء بعد ذلك السلطان عبد المجيد عام 1839 م في تركيا فأعلن ما يسمى ( بالإصلاح ) ورفع شعارات الحرية الشخصية والحرية الفكرية بالمفهوم الغربي وتسوية المسلين بغير المسلمين وأدخل التنظيمات المستوردة من الغرب. وكذلك فعل إسماعيل في مصر ( 1863- 1876 ) فدعا إلى أن مصر قطعة من أوربا , وأكثر من الغربيين فيها وأنشأ المحاكم المختلطة وعدل الأنظمة والقوانين طبق القانون الفرنسي؟ ( ) وفي هذه الأثناء عاد كثير من المبتعثين - من أبناء المسلمين - من الغرب إلى بلادهم. وكثرت البعثات الجديدة وجاءت تحمل أفكار الغربيين لا علومهم وتقدمهم جاءت بأفكار جاهلية لا تمت إلى الإسلام ولا إلى العلم والتقدم بصلة فبدأت حركة التغريب في العالم الإسلامي على أيدي هؤلاء دون وعي ولا بصيرة ولا تعقل تدفعها أهواء المستغربين وأطماع أساتذتهم الغربيين حيث بدأ على أيدي هؤلاء ما يسمى بحركة اليقظة أو النهضة وتشكلت بذور الاتجاهات العلمانية الحديثة التي نحن بصدد بحثها , وكان أوائل البعثات إلى الغرب رفاعة الطهطاوي من مصر ( 1801 م - 1873 ) وخير الدين التونسي ( 1830 م - 1879 ) ( ) وكلاهما درس في فرنسا في وقت متقارب وكانت الحضارة الغربية في أوج تقدمها فأعجبا بالغرب إعجابا ملك عليهما عقليهما وذهلا للفارق بين أوضاع المسلين وحال الغرب هناك فجاء ككل منهما بهذه النفسية المنهزمة والعقلية الغربية فأخذ ينادي بشعارات غربية دون بصيرة - وعن -حسن نية وصدق عاطفة فيما يبدو - وأخذ يشيد بالغرب والغربيين وينادي بالحرية والتغني بالأمجاد الجاهلية القديمة والوطنية والتسامح الديني تقليدا للغرب وحاول كل مهما أن يخضع تعاليم الإسلام وأصوله للمفاهيم الغربية التي تأثر بها فلقد دعا كل منهما إلى تقليد الغربيين حتى في أساليب المعيشة والأخلاق، وهذا لا شك خطأ وإن كان عن حسن نية !. وفي الهند انبرى السيد أحمد خان ( 1817 م - 1898 م ) ( ) الذي زار أوربا وأعجب بالغرب أيما إعحاب فدعا المسلين إلى مصالحة الإنجليز وبذل جهودا جبارة في إخماد الثورة ضد الإنجليز التي قامت عام 1857 م ثم أعلن عن حركته العلمانية المستغربة والتي قامت على الأصول التالية: ( ) - تجديد الفكر الإسلامي وتفسير القرآن على ضوء العلوم الغربية الحديثة. - الاتصال المباشر بالغرب وخاصة الإنجليز - والنهل من علومهم دون تحفظ ولا تمحيص. - إعادة النظر والتشكيك في المغيبات والأصول الإسلامية التي لا تصدقها ولا تؤمن بها العقلية الحديثة في الغرب. - شرعية الاحتلال الإنجليزي لبلاد المسلمين، وتغيير مفهوم الجهاد لدى المسلمين ليتفق مع الأفكار الغربية ولا يكون موجه ضد الاحتلال، والدعوة إلى التسامح الديني بين المسلمين والكفار وبرهن على ذلك بتفسير التوراة والإنجيل. - الاهتمام بنهضة المسلمين علمياً وفصل العلم عن الدين، والإيمان بالمبدأ العلماني المادي ( ). وعلى هذا يبدو أن حركة السيد أحمد خان هي أول اتجاه علماني فكري حديث قام بشكل منظم في العالم الإسلامي. ثم جاء ضياء كوك ألب (1875م) في تركيا ودعا بصراحة إلى سلخ تركيا من ماضيها القريب (الإسلامي)، وتكوينها تكويناً قومياً وطنياً يرجع بها إلى حضاراتها القديمة، قبل الإسلام ( )، وبذلك وجد الاتجاه الثاني، من الاتجاهات الفكرية الحديثة في العالم الإسلامي، بعد اتجاه السيد أحمد خان. بعد ذلك اندلعت الاتجاهات الفكرية العلمانية في كل مكان، مع الاتجاهات السياسية والقومية والطائفية وغيرها، وبدأ تيارها الجارف يجتاح العالم الإسلامي كله، ممثلاً في جهود الاحتلال، والتنصير، والأساتذة والموظفين الغربيين، والطوائف والأقليات غير المسلمة، والمستغربين من أبناء المسلمين، واتخذ شتى الوسائل، من جمعيات سرية وعلنية، وصحف ومجلات ونشرات، ومدارس، ودور نشر، وأحزاب، وقد خلت الساحة - اللهم إلا القليل - من العلماء المسلمين الأكفاء، لصد هذا التيار، عن وعي وإيجابية وجدارة. وهكذا جنى المسلمون، حين ألقوا فلذات أكبادهم في أحضان الغرب - جنوه علقماً يتجرعونه ولا يكادون يسيغونه، فقد جاء أبناؤهم غزاة ناقمين على دينهم وحضارتهم وأمتهم، جاءوا بالأفكار الهدامة والأخلاق الهابطة، والرذيلة، ولم يفيدوا من العلم والتقدم شيئاً يذكر. كما ينبغي أن لا ننسى الدور الذي لعبته الأقليات غير المسلمة في العالم الإسلامي، خاصة النصارى - وبالأخص نصارى لبنان - فقد نشطت هذه الأقليات في نشر الأفكار والمفاهيم الغربية، ومناهضة الخلافة، والجامعة الإسلامية، والاعتراض وإثارة الشبه حول تطبيق الإسلام نظاماً ودستور دولة، بدعوى عدم ملاءمته للعصر، ولأن الجماهير ليست كلها مسلمة، وكان ذلك باسم الحرية الدينية، والتطور، وحرية الفكر، وقد نشطت هذه الأقليات في تقويض الدولة الإسلامية، وترويج الأفكار الهدامة عبر الجمعيات والصحف والترجمة والتأليف والمدارس ( )، لأنها تملك أفضل الوسائل لذلك. واجتاحت الأمة الإسلامية تيارات عاصفة، عقائدياً وفكرياً وسياسياً واقتصادياً، وكان أخطرها تلك الاتجاهات العلمانية التي باتت تقوض أسس الإسلام، وعقائده الأصيلة من الداخل، وفي نفوس الأجيال الناشئة، لتهدم البناء الإسلامي من قواعده - ولن تفلح بإذن الله - ونشطت هذه الاتجاهات مع نهاية القرن التاسع عشر الميلادي نشاطاً هائلاً، وقد خلا لها الجو، وكان أكثر رواد هذه الاتجاهات من تلامذة المستشرقين ( )، الذين صنعهم الغرب على عينه. ولم يطلع ليل القرن الميلادي العشرين، إلا وقد آتت هذه الجهود ثمارها النكدة في المسلمين، وهيمنت طلائع العلمانية في تركيا ومصر، وسائر بلاد المسلمين، وبدأت على يد هؤلاء معركة ما يسمى بالصراع بين القديم والجديد ( )، والحق أنها معركة التحرر من الإسلام من الداخل، فقامت حركة منظمة قوية على أيدي عصابات متماسكة يحكمها، الهدف الواحد والمصير الواحد، وتوزعت حسب تخصصات أفرادها وقدراتهم، في السياسة والأدب والفكر والتعليم والثقافة، وغيرها، ومنهم من ساهم في أكثرها كالدكتور طه حسين !. وأكثر ما تتضح الاتجاهات العلمانية التي تهمنا، في تلك المؤلفات التي انهالت على الناس في كل جوانب الإسلام وأصوله إنكاراً أو تشكيكاً وتشويهاً وتحريفاً، أو تهكماً وسخرية بقيم الإسلام ومثله ومطالبة باستبداله بالإنتاج الغربي الراقي - على حد زعمهم - بصراحة حيناً وبالمراوغة والمكر أحياناً، فكان النصف الأول - من هذا القرن - كله بحق عهد الإنتاج الفكري للاتجاهات العقلية الحديثة، حيث ساهم أكثر روادها في هدم جانب أو أكثر من جوانب الفكر والسلوك الإسلامي. ففي عام 1900م أخرج قاسم أمين كتابيه: ( تحرير المرأة )، ( المرأة الجديدة ) ( ). ثم نشر سلامة موسى كتابه: ( اليوم والغد ) وهو مجموعة مقالات نشرت بين عامي 1925م - 1926م دعا فيه إلى ترك الإسلام واللغة العربية صراحة ( ). وكتب الدكتور طه حسين كتابه ( الشعر الجاهلي ) عام 1926م طعن فيه بصحة بعض القصص التي وردت في القرآن وزعم أن القرآن نتاج بشري، وأشياء أخرى تمس العقيدة في الصميم ( )، ثم مقالاته وبحوثه وكتبه تباعاً، فيها التشكيك والطعن في الإسلام بكل وسيلة سواء ما كان في غير الإسلاميات مثل: ( مستقبل الثقافة في مصر )، ( وفي الأدب الجاهلي ) و ( حديث الأربعاء )، ونحوها، أو ما كان في إسلامياته ولا تقل خطراً عما قبلها مثل: ( على هامش السيرة ) و ( الفتنة الكبرى )، التي لم تسلم منها العقيدة الإسلامية وقد تجرد فيها من كل شيء حسب مبدئه إلا من الدس والطعن والتشكيك في القيم والأخلاق الإسلامية ! وكتب الشيخ علي عبد الرازق كتابه ( الإسلام وأصول الحكم ) عام 1925م زعم فيه أن الإسلام لا صلة له بالدولة، أنه بريء من التدخل في السياسة والحكم والقضاء. وكتب الدكتور محمد حسين هيكل كتابه ( حياة محمد - 1935م ) اهتم فيه بالجانب الإنساني، في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وترك جوانب الوحي والنبوة والغيب وأنكر المعجزات، بدعوى أن العلم الحديث لا يصدقها وعرض السيرة النبوية على نمط الدراسات الغربية المادية. وكتب الدكتور أحمد أمين موسوعته الإسلامية، في تاريخ الحياة العقلية للأمة الإسلامية في ( فجر الإسلام وضحاه وظهره ) أكد فيه أثر الجانب العقلي في العقيدة الإسلامية، وقد تأثر بالعقلية المادية الغربية في بعض دراساته وهذا ما سأعرض له في مقالة أخرى إن شاء الله. وكتب الشيخ محمود أبو رية كتابه ( أضواء على السنة المحمدية ) طعن فيه بالسنة النبوية وحجيتها طعناً مكشوفاً، كما طعن في عدالة بعض الصحابة رضي الله عنهم. وكتب محمد أحمد خلف الله ( رسالة ماجستير ) زعم فيها أن القرآن اشتمل على الخرافات والأساطير، وطبعها في كتاب بعنوان ( الفن القصصي في القرآن ). هؤلاء من المشاهير والرواد في مصر وحدها ولم تكن تركيا وبقية بلاد العالم الإسلامي بأقل حظاً منها. فالاتجاهات العلمانية في تركيا قد واكبت أو سبقت أختها في مصر والشام، وقد تمخضت عن الثورة الكمالية، بجهود رواد جمعية الاتحاد والترقي، الذين هم من أقوى دعاة العلمانية والتجديد وإلغاء الخلافة والشريعة الإسلامية من الأرض وتحرير الشرق من الدين بزعمهم ( ) ! وقد اتخمت المكتبة الإسلامية، والصحف والمجلات ومناهج التعليم بهذه الأفكار في العالم الإسلامي كله، وكما أتت هذه الاتجاهات ثمارها فكرياً، كذلك أتت ثمارها عملياً وسياسياً، فتمخضت عن العلمانية في تركيا أولاً، ثم في العالم الإسلامي كله تباعاً. ثم عن القوميات والوطنيات التي مزقت أرض الإسلام وشتت المسلمين ثم عن الاشتراكية، والناصرية، والشيوعية، والبعثية، والرأسمالية، وتسلطت العصابات على رقاب المسلمين، فجاست خلال الديار، وعاثت في الأرض فساداً. في هذا الجو المتوتر المشحون بالفتن نمت وترعرعت وأثمرت جهود أعداء الإسلام في غزو المسلمين فكرياً في عقر دارهم، فالله أسأل أن يعيد للمسلمين عزهم وهيبتهم ومجدهم بالعود الحميد إلى دينه وصراطه المستقيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. الحواشي ( ) أذكر منهم على سبيل المثال: 1- جريردي أورالياك (938 - 1003م) ابتعث إلى الأندلس ودرس في جامعاتها الإسلامية ثم رجع، فكان أوسع علماء عصره في بلده ( فرنسا ) حتى وصل إلى البابوية وأنشأ مدارس عربية بين قومه. 2- قسطنطين الإغريقي - توفى عام ( 1087 م) رحل إلى بغداد وخرسان والشام ومصر والقيروان والهند ثم رجع إلى بلاده. 3- ميخائيل سكوت ( 1175 - 1236م ) رحل إلى الأندلس وتعلم فيها وترجم كثيراً من الكتب الإسلامية إلى لغات غربية، وألف كثيراً من الكتب نقلاً عن المسلمين. 4- رايمند ولوليو ( 1235 - 1314 ). تعلم العربية وحفظ القرآن، ثم رجع إلى باريس، وانضم إلى الرهبانية وأشرف على مدرسة لتعليم العربية في ميراما، وتخرج منه رهبان كثيرون ودعا إلى تعليم اللغات الشرقية في أوربا.. للإفادة من الحضارة الإسلامية، وألف كثيراً من الكتب التي أفادها من العلوم الإسلامية وكانت سبباً في بذور الوعي في بني قومه. 5- بوستل ( 1505 - 1581م ) تعلم العربية وكثيراً من اللغات الشرقية واشترى كثيراً من المخطوطات الإسلامية وصار أستاذاً للعربية والعبرية في عهد فرانسوا الأول، حيث تخرج على يديه نفر من طلائع المستشرقين، ثم أستاذاً للعربية في جامعة فيينا، وألف كثير من الكتب عن الإسلام والمسلمين راجع ( المستشرقون ) لنجيب العقيقي ص 133 - 135، 120، 121، 127، 128، 171، 172 المجلد الأول. ( ) راجع الفكر الإسلامي الحديث للدكتور محمد البهي ص281 إلى 288. ( ) وكثر المفكرون الذين قادوا الحركة العقلية أمثال ولف ولسنج ونيتشة في ألمانيا، وفولتير وبيلي ولاندي في فرنسا، ولوك في إنجلترا، فكانت ثورة عقلية عارمة شملت جميع أوجه الحياة ونشاطاتها العلمية والعملية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
 

_______________________________________________________________________________________
مراجع المقال :

[( ) مثل الحركات الثورية الدموية، وعصابات التخريب والاختطاف والاغتيالات والسرقات.
( ) راجع ( المستشرقون ) نجيب العقيقي ص54 المجلد الأول.
( ) راجع ( المستشرقون ) نجيب العقيقي ص 360 - 361 المجلد الأول. ( ) راجع في ذلك: 1- الاستشراق والمستشرقون لمصطفى السباعي ص 21 - 25. 2- أجنحة المكر الثلاثة - عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني ص 94 - 98. 3- الفكر الإسلامي الحديث - د. محمد البهي 48 - 63.
( ) راجع الإسلام والثقافة العربية لنور الجندي ص18.
( ) راجع المذاهب المعاصرة وموقف الإسلام منها د عبد الرحمن عميرة ص275.
( ) راجع الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار للدكتور محمد البهي ص41، 42، 43.
( ) راجع تاريخ الأمة العربية ( عصر الانبعاث ) محمد سعد أطلس من ص 74 إلى ص 87.
( ) المصدر السابق.
( ) راجع الكتب التالية: - التبشير والاستعمار لمصطفى الخالدي وعمر فروخ الطبعة الخامسة 1973م - الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية الطبعة الثانية 1397هـ. - أجنحة المكر الثلاثة - عبد الرحمن بن حسن حنبكة - فصل خطط العدو لغزو الإسلام ص 201. - الفكر الإسلامي الحديث من ص 27 إلى ص 47.
( ) درج الكتاب والباحثون - تبعاً للغربيين - على تسمية حركات التنصير بـ ( التبشير ) وهذا خطأ فاحش لأن هذا النشاط إنما يسمى تبشيراً من المنطلقات والأهداف النصرانية التي تبشر بالدعوة إلى الديانة النصرانية المحرفة فلذلك أرى أن يسمى ( التنصير ).
( ) راجع الغارة على العالم الإسلامي - تأليف شاتليه تعريب محب الدين الخطيب ومساعد اليافي. ص30 - 31.
( ) المصدر السابق من ص 49 إلى 141، والإسلام والثقافة الغربية لأنور الجندي ص 90. ( ) انظر الإسلام والحضارة الغربية - محمد محمد حسين ص12، 13.
( ) - المصدر السابق
( ) - المصدر السابق
( ) المصدر السابق
( ) - انظر الفكر العربي المعاصر - أنور الجندي ص 74 ( ) - راجع الإسلام والحضارة الغربية - د. محمد محمد حسين ص 18 وما بعدها.
( )راجع العروة الوثقى لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ص 412 مقالة لجمال الدين ( الدهريون في الهند ) والفكر الإسلامي الحديث - د محمد البهي ص 38- 42 والصراع بين الفكرة الإسلامية والمفكرة الغربية لأبي الحسن الندوي ص 71.
( ) المصادر السابقة.
( ) المصادر السابقة.
( ) راجع الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية لأبي الحسن الندوي ص39 وما بعدها.
( ) نذكر من هؤلاء أمثال: شبلي شميل، وفرح أعلون، وفرنسيس مراش، ورزق الله حسون، ويعقوب صنوع، وأديب إسحاق، وفيليب حتى، وجرجي زيدان.
( ) من اشهر هؤلاء: الدكتور طه حسين، والدكتور أحمد زكي أبو شادي، وسلامة موسى، والدكتور أحمد زكي ( محرر مجلة العربي ). ( ) راجع الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر الجزء الثاني ص190 إلى 287 طبعة عام 1389.
( ) راجع الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية ص 108 الطبعة الثالثة.
( ) انظر الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ص221 - 228. ( ) المصدر السابق.
( ) حتى قال أحد زعمائهم وهو ( ناظم بك ) " إننا نحن العثمانيين لا يمكن أن نترقى إلا إذا نبذنا الدين وراء ظهورنا وعصرنا العلماء عصراً نمحقهم به محقاً " ص132 عدد 29 صفر عام 1331هـ من مجلة المنار المجلد 16 ج2، وقال أحد الباشوات: " لو كان في بدني شعرة تؤمن بفلان - وذكر خاتم الرسل وسيد العرب والعجم صلى الله عليه وسلم - لقلعتها مع اللحم الذي حولها وألقيتها. المصدر السابق نفسه ص133.
تابع القراءة:

الاثنين، 11 مارس 2013

الصين الشعبية بعد ماوتسى تونج - الصين الماوية والوفاق الدولى



بقلم: مصطفى علوى


علينا أن نسعى لإقامة علاقات دبلوماسية طبيعية، على أساس الاحترام المتبادل لوحدة الأراضى والسيادة والمساواة والنفع المتبادل، مع جميع البلدان التى ترغب فى أن تعيش معنا فى سلام ماوتسى تونج 15 سبتمبر 1956 مع بداية السبعينات كانت ملامح التغيير التى دخلت إلى النظام الدولى، قد تبلورت لتكون واقعا جديدا فى علاقات الدول عرف اصطلاحا بظاهرة الوفاق الدولى فبعد أن كانت الحرب الباردة والمواجهة تميز علاقات ما بعد الحرب العالمية الثانية، أخذ العالم يشهد انفراجا فى علاقات دوله من أجل دعم التعاون بينها وتخفيف حدة التوتر الدولى وكان ذلك التحول انعكاسا للمتغيرات الكبرى الجديدة التى عرفها النظام الدولى مثل استحالة الحرب بين القوتين العظميين نتيجة لامتلاك كليهما أسلحة متطورة ذات قدرة تدميرية رهيبة يستحيل معها أن يكون هناك منتصر ومهزوم، وظهور قوى كبرى تملك إمكانيات كبيرة للتأثير المستقبلى، وبصفة خاصة الصين الشعبية وأوربا الغربية واليابان، بالإضافة إلى التحول الكمى والكيفى الكبير الذى طرأ على النظام الدولى ظهور هذا العدد الكبير من دول العالم الثالث حديثة الاستقلال ومحاولة لعبها دور متميز على مسرح الأحداث الدولية وفضلا عن هذا وذاك، لم تعد الكتلتين المتصارعتين تتميزان بتلك الدرجة العالية من التماسك والوحدة التى ميزت علاقات الأعضاء داخل كل منهما فى فترة الحرب الباردة، بل أصبحنا أمام ظاهرة جديدة فى التعدد فى مراكز التأثير داخل كل كتلة ولم تكن هذه التطورات المادية كافية بمفردها لخلق ظاهرة الوفاق الدولى الجديدة، لو لم تكن هناك قيادات سياسية خاصة لدى الدولتين الأعظم قادرة على إدراك هذه التطورات واستيعابها والاستجابة لها والتفاعل معها بنمط جديد من التحرك الخارجى يقوم على إحلال التعاون والانفراج محل الحرب الباردة والتوتر الدائم كسمة مميزة لعلاقاتها المباشرة وفى دراستنا لموقف الصين الماوية من ظاهرة الوفاق الدولى تبدأ بتحديد مضمون ذلك الموقف وننتقل إلى الحديث عن مدى فاعليته فى التأثير على الوفاق الدولى بالسلب أو الإيجاب، ثم نقدم تصور الصين لمكونات الوفاق الدولى، ونختم تحليلنا بإلقاء نظرة مستقبلية يستعرض فيها احتمالات التغيير فى الموقف الصينى من الوفاق الدولى بعد وفاة ماوتسى تونج
أولا:ـ ازدواجية موقف الصين من الوفاق الدولى:ـ أن أول ما يلاحظه الباحث فى مضمون موقف الصين الماوية إزاء الوفاق، هو ما يتميز به ذلك الموقف من ازدواجية فالصين قدمت إسهاما إيجابيا فى دعم الوفاق وتمكينه، وذلك بالانفتاح على الولايات المتحدة الأمريكية ودعم علاقاتها خاصة التجارية معها لكنها من ناحية أخرى تقف معارضة للوفاق فى علاقات القوتين العظميين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى ببعضهما البعض وتصل هذه المعارضة إلى حد رفض الصين الماوية وإنكارها لوجود وفاق بين القوتين العظميين فكأن لموقف الصين الماوية من الوفاق بعدين:ـ أحدهما إيجابى ذو أثر موافق، والثانى سلبى ذو أثر غير موافق والواقع أن منطلق هذه الازدواجية فى الموقف الصينى يتمثل فى أن كلا من بعديه الإيجابى والسلبى إنما يعمل لخدمة المصلحة القومية للصين الماوية خاصة فى صراعها مع الاتحاد السوفيتى كما سيتضح تفصلا فيما هو آت
1 ـ البعد الإيجابى:ـ انفراج العلاقات الصينية الأمريكية:ـ كانت هناك مجموعة من العوامل وراء سيادة العداء المطلق فى علاقة الصين بالولايات المتحدة فى السنوات العشرين التى أعقبت نجاح الثورة الماوية فى عام 1949 من بين هذه العوامل نشير إلى الصراع الأيديولوجى بين البلدين، والالتزام الأمريكى بفورموزا، وتورط الولايات المتحدة فى منطقة الهند الصينية
أ‌ ـ مظاهر الانفراج:ـ ولما ضعف تأثير هذه العوامل منذ أواخر الستينات بدأنا نشهد درجة من الانفراج فى علاقات الدولتين تمثلت أولا فى مجموعة من الخطوات الجزئية الصغيرة التى بدأتها الولايات المتحدة لكسر موجة العداء الحادة التى ميزت المزاج الأمريكى العام فى الخمسينات والستينات، مثل إزالة قيود سفر الأمريكيين إلى بكين وفى يونيو 1971، رفع الحظر التجارى الذى كانت تفرضه الولايات المتحدة على الصين وكانت زيارة كيسنجر الأولى السرية لبكين فى يوليو عام 1971 تمهيدا هاما لتحقيق ذلك الانفراج توج بزيارة الرئيس الأمريكى السابق نيكسون للصين فى فبراير 1972، التى انتهت بإعلان بيان شنغهاى المشهور الذى يعد محاولة للتوفيق بين مواقف البلدين غير المتناسقة، حيث قدم كل طرف تنازلات معينة تمثلت فى التزام الولايات المتحدة بسحب قواتها المقاتلة من فورموزا (حالما يختفى التوتر من المنطقة، واعترافها بأن فورموزا جزء من الصين أما الصين فلم تبد اعتراضا حول استمرار معاهدات الدفاع التى تربط الولايات المتحدة بكل من الصين الوطنية واليابان وكوريا ومن مظاهر الانفتاح الصينى على الولايات المتحدة أيضا أن اتجهت الصين إلى دعم تبادلها التجارى مع واشنطن بل وصلت درجة انفتاح علاقات البلدين إلى حيث بدأ الحديث عن رغبة الصين الشعبية فى شراء أسلحة أمريكية متطورة ففى حديث أدلى به جيمس شيلزنجر وزير الدفاع الأمريكى السابق لمجلة الأمريكية الشهيرة نشر فى أكتوبر 1976، أجاب شليزنجر عن سؤال يقول:ـ هل عبر الصينيون عن رغبتهم فى أسلحة متطور مضادة للدبابات أو فى كميات من الأسلحة المضادة للطائرات من التى يمكن للولايات المتحدة تزويدها بها؟ أجاب بقوله:ـ أظن أن هناك بعض الاهتمام بذلك خاصة داخل المؤسسة العسكرية ولكنه أمر مخفى تماما لأسباب دبلوماسية ب‌ ـ العوامل الدافعة إلى الانفراج:ـ هناك عديد من عوامل التأثير التى دفعت إلى تحقق ذلك الانفراج يمكننا تصنيفها فى ثلاث مجموعات أساسية:ـ المجموعة الولى خاصة بالإدراك السياسى للقيادة فى البلدين ودورها فى دفع علاقاتهما نحو الانفراج:ـ فلا شك أن وجود نيكسون وكيسنجر على قمة جهاز صنع السياسة الخارجية الأمريكية كان له تأثيره فى هذا الصدد فقد تمنعا بإدراك سياسى منفتح يستوعب المتغيرات الدولية الجديدة ويستجيب لها وكان من أبرز هذه المتغيرات تحول الصين الشعبية إلى واحدة من الدول الكبرى يرى بعض المحللين أن اتجاه الصين نحو التخفيف من دوائر علاقاتها مع الولايات المتحدة كان يمكن أن يبدأ منذ الخمسينات، فقد كانت هناك بوادر اتجاه صينى للأخذ بالتعايش السلمى فى العلاقة مع الغرب لكن سياسة جون فوستر دالاس المريضة فى الخمسينات هى التى أوصدت الباب دون ذلك بدعم هذا التحليل بالرجوع إلى عبارة للزعيم ماوتسى تونج فى كلمته المعنونة ـ حول المعالجة الصحيحة للتناقضات بين صفوف الشعب فى 27 ـ 2 ـ 1957 وردت فى الكتاب الأحمر الصينى يقول ماو:ـ أما البلدان الإمبريالية، فينبغى لنا أيضا أن نتحد مع شعوبها وأن نسعى إلى التعايش فى سلم مع هذه البلدان، وإلى إجراء تعامل تجارى معين معها، وأن نحول دون نشوب أى حرب محتملة الوقوع وهذه الكلمة تعنى أن إدراك ماو السياسى لم يكن يتضمن إضمار عداء مطلق ومسبق نحو الغرب، بل أن ماو كان يتصور إمكانية التعامل، بل والتعاون مع الغرب لذلك حينما جاءت قيادة أمريكية قادرة على أحداث تغيير جذرى فى أساليب السياسة الأمريكية تحقق الانفراج بين الصين والولايات المتحدة وهناك احتمال أن تكون القيادة الأمريكية قد أدركت الأثر الذى يمكن أن يترتب على دخول الصين فى علاقات مستمرة مع الغرب وسحبها من الإطار المغلق الذى وضعت نفسها داخله لعقدين من الزمان، فى شكل تخفيف درجة التهديد التى تمثلها الصين الماوية فى مواجهة دول شرق وجنوب شرق آسيا المرتبطة بالولايات المتحدة وهناك احتمال ثان بان تكون القيادة الأمريكية قد أدركت أيضا أثر انفراج علاقات الصين مع الغرب على الصراع على السلطة داخل الصين بعد وفاة ماو، فى شكل تدعيم مركز جناح المعتدلين فى ذلك الصراع السلطوى، وهو الأمر الذى يحقق مصلحة الولايات المتحدة المجموعة الثانية ترتبط بالظروف الداخلية فى البلدين، مثل بلوغ الصين درجة معقولة من النمو مكنتها من الإقدام على الانفتاح على العالم الخارجى امتلاك القنبلة النووية على سبيل المثال كما أن بدء مرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية تحقق انطلاقا أكبر للمجتمع الصينى نشأت عن سقوط لين بياو وأعوانه العسكريين المتشددين وما ترتب على ذلك من إعادة توزيع الموارد الصينية فى صالح التنمية الاقتصادية وتخفيض الموارد المخصصة للمؤسسة العسكرية أن هذه الانطلاقة الجديدة فى عمليات التنمية كانت تحتاج إلى استيراد مستلزمات الإنتاج المتطور من رؤوس الأموال الضخمة والسلع الإنتاجية الأساسية والتكنولوجيا المتطورة ولا يخفى أن الولايات المتحدة تمثل مصدرا هاما لهذه المتطلبات وقد سبق أن تحثنا عن الزيادة الكبيرة فى حركة التبادل التجارى بين الولايات المتحدة والصين ويرتبط بهذه المجموعة أيضا رغبة مجموعة ماو شواين لاى فى دعم مركزها فى مواجهة العناصر المناوئة بزعامة لين بياو فى الصراع على السلطة وذلك من خلال دعم علاقة الصين بالولايات المتحدة وربما كان الانفتاح الأمريكى على الصين عاملا هاما فى خطة الرئيس نيكسون للعمل من أجل إعادة انتخابه فى خريف عام 1972 أما المجموعة الثالثة فتتمثل فى التغير الذى لحق بميزان القوة فى شرق وجنوب شرق آسيا بفعل الصراع الصينى السوفييتى لقد كان ذلك التغير بالنسبة للولايات المتحدة يعنى أن الصين لم تعد تمثل التهديد الخطير الذى كانت تمثله حينما كانت حليفا للاتحاد السوفيتى أما بالنسبة للصين فقد كان ذلك التغير يعنى أن الاتحاد السوفيتى قد احتل مكانة الولايات المتحدة كالعدو الأول للصين الماوية لقد أصبح الصراع الصينى السوفيتى أكثر العوامل الخارجية تأثيرا فى توجيه سياسة الصين الخارجية منذ منتصف الستينات فالصين تحاول تفادى تزايد خطر التهديد السوفيتى لها من خلال انفتاحها على الغرب ولذا فإن استمرار الصراع الصينى السوفييتى معناه استمرار اتجاه الصين إلى تحقيق مزيد من الانفراج فى علاقاتها بالغرب والعالم الثالث ومن ناحية أخرى استمر القادة الأمريكيون العزف على وتر هذا الصراع الصينى السوفيتى لتحقيق مصلحة الولايات المتحدة وقد لخص كيسنجر يوما لأحد أصدقائه موقفه من الصراع الصينى السوفيتى قائلا:ـ لا يداعب جفونى النوم إذا شعرت بعودة الصداقة الروسية الصينية، إلى مجاريها، أو بقرب انفجار الموقف على حدودها فكان مصلحة الولايات المتحدة تتحقق ببقاء درجة التوتر الحالية فى العلاقات الصينية السوفيتية دون تصعيد فيها أو إنقاص منها
2 ـ البعد السلبى:ـ معارضة الصين للوفاق بين الدولتين العظميين أ‌ ـ الرؤية الصينية المتميزة لحالة النظام الدولى المعاصرة:ـ يرفض القادة الصينيون الاعتراف بوجود حالة وفاق فى العلاقات الدولية عموما وفى العلاقات بين الدولتين العظميين على وجه الخصوص بل يرون أن الصراع المستمر بينهما سيؤدى إلى حرب عالمية جديدة أن ما يميز عالم اليوم، إذن، ليس وفاقا مستمرا، لكنه بدلا من ذلك هناك خطر الاقتراب نحو اندلاع حرب عالمية ثالثة وقد جاء فى كلمة مندوب الصين لدى الأمم المتحدة فى اجتماعات الجمعية العامة فى دورتها الثامنة والعشرين أكتوبر 1973، ودورتها الثلاثين فى سبتمبر 1975 يقول أحد بيانات تشياو كوان هوا المندوب الصينى لدى الأمم المتحدة:ـ ترى الحكومة الصينية أن عالمنا هذا يعيش فى اضطراب شديد وانقسام كبير وتحتدم كل التناقضات الأساسية فى العالم وخاصة التناقضات بين الإمبريالية والاستعمار من جهة وبين الأمم المظلومة والشعوب المضطهدة من جهة أخرى والتناقضات فيما بين الدول الإمبريالية ولا سيما بين القوتين العظميين أن حدة توتر الوضع فى الشرق الأوسط لم تخف مطلقا، ويمارس الاستعماريون والعنصريون القمع المسلح ضد شعوب أفريقيا بينما تطور شعوب أفريقيا مقاومتها المسلحة ضدهم، ويتوالى بلا انقطاع العدوان والنشاطات الهدامة والسيطرة والتدخل التى تمارسها القوتان العظميان ضد دول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ومن الناحية الاقتصادية تتوسع يوما بعد يوم الفجوة بين الدول الغنية المتطورة والدول الفقيرة النامية، وحتى الدول المتطورة تقوم بينها شتى التناقضات أيضا لذلك فإن الحالة بعيدة كل البعد عن الوفاق ب‌ ـ المنطق الصينى فى معارضة الوفاق الأمريكى السوفيتى:ـ يقوم المنطق الصينى فى معارضة الوفاق الأمريكى السوفيتى على مجموعة من الحجج يمكن تلخيصها فى أن ذلك الوفاق لا يخدم السلام العالمى، بل أنه يزيد من حدة التوتر الدولى، ذلك لأنه محدود بإطار ضيق يتمثل فى إنه وفاق على توزيع مناطق السيطرة بين الدولتين الأعظم كما أن ذلك الوفاق لا يحقق مصالح شعوب العالم الثالث بل يضر بها، وفضلا عن ذلك فإنه وفاق يضر بمصلحة الصين حيث يدعم النفوذ السوفيتى فى قارة آسيا ونقدم فيما يلى شيئا من التفصيل لهذه الحجج:ـ الوفاق الأمريكى السوفيتى لا يخدم السلام العالمى:ـ ترى الصين أن الوفاق الأمريكى السوفيتى لا يدم السلام العالمى، ذلك أن الاتفاقيات المنشئة لذلك الوفاق اهتمت بتنمية مصالح الدولتين العظميين فقط دون أن تهتم بمصالح الدول الأخرى أو أهداف السلام العالمى فالاتفاقية التى وقعتها الدولتان العظميان الخاصة بمنع انتشار الحرب النووية نصت على التشاور العاجل بين الطرفين عن حدوث نزاع بين أى منهما والبلدان الأخرى أو حتى بين أى بلدين آخرين والصين ترى أن ذلك التشاور العاجل المزعوم لابد من أن يسفر عن أعمال تفرضها مصالحهما حيث أن الدولتين العظميين بما لديهما من ترسانات الأسلحة النووية يمكن أن تتدخلا متى أرادتا فى العلاقات بين كافة البلدان فى العالم وقد هاجمت الصينى الماوية أيضا مبدأ مراعاة كل من الدولتين العظميين لمصلحة الأمن الخاصة بالطرف الآخر وذلك على أساس المساواة بينهما الذى اتفقت عليه الدولتان فى عام 1972 وقالت أن هذا المبدأ يعنى صراحة التنازع على الهيمنة على العالم، فأينما يذهب طرف يصح للثانى أن يذهب فكان الوفاق الأمريكى السوفييتى فى الرؤية الصينية يستخدم كوسيلة لبسط نفوذ الدولتين العظميين على مناطق العالم المختلفة وإخضاع الإرادة السياسية للدول المتوسطة والصغيرة أى محاولة احتكار عملية توجيه العلاقات الدولية وتسييرها، وهو الأمر الذى يمكن أن يزيد من درجة التوتر الدولى بما يهدد السلام العالمى الوفاق الأمريكى السوفيتى لا يحقق مصالح العالم الثالث:ـ وقد انتقدت الصين بشدة موقف الدولتين الأعظم من قضايا تهم شعوب العالم الثالث ورأت أن اتحاد موقفهما إزاء هذه القضايا بالسلب إنما يمثل تأمرا من جانبهما معا على مصالح الشعوب التى تنتمى إلى العالم الثالث ويضرب القادة الصينيون مثالا على ذلك بموقف الدولتين العظميين المعارض لمطالبة بعض دول أمريكا اللاتينية بأن تصبح حدود المياه الإقليمية للدول مائتى ميل بحرى واعتبرت معارضتها لهذا المطلب عملا إمبرياليا يعمل على الحفاظ على بحار العالم واستنزاف ثرواتها كما نددت الصين بموقف الدولتين الأعظم التناسق من قضية استغلال شعوب العالم الثالث لثرواتها الطبيعية يقول مندوب الصين لدى الأمم المتحدة:ـ فى 2 يونيو 1972 طرح الاتحاد السوفيتى وحلفاؤه فى منظمة الأمم المتحدة للإنماء الصناعى مشروعا جاء فيه أن سيادة الدول النامية على مواردها الطبيعية تتوقف إلى حد كبير على قدرتها الصناعية على استغلال هذه الموارد وفى 22 أغسطس 1973 زعم أحد المندوبين السوفييت فى اجتماع لجنة قاع البحار المنعقد فى جنيف بأن الدول النامية حتى إذا حازت مائتى ميل بحرى من المياه لا تستطيع رفع إنتاج السمك نتيجة لافتقارها إلى التكنولوجيا وطاقة الصيد ومعنى كل هذه التصريحات أن من يملك قوة أكبر يتمتع بحقوق أكثر وهذا منطق إمبريالى سافر ويواصل المندوب الصينى حديثه متسائلا:ـ لماذا تعارض القوتان الأعظم بهذه الشدة موقف الدول المتوسطة والصغيرة فى توسيع المياه الإقليمية؟ إنه ليس من الصعب إدراك المآرب الخفية إذا ما نظر المرء إلى تنازع الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى على الهيمنة البحرية فى البحر الأبيض المتوسط والخليج والمحيط الهندى والبحر الكاريبى والمحيط الهادى والمحيط الأطلنطى أو تسابقهما إلى إقامة القواعد فيها ونهب ثرواتها السمكية وموارد قاع البحر، فإذا توسعت المياه الإقليمية ضاقت بحارهما الخاصة التى تتغطرسان فيها الوفاق الأمريكى السوفييتى يدعم الاتحاد السوفييتى فى صراعه مع الصين الشعبية:ـ لعل من أهم أسباب معارضة الصين الماوية للوفاق الأمريكى السوفيتى هو تخوفها من أن يدعم ذلك الوفاق الطرف السوفيتى فى صراعه مع الطرف الصينى، سواء فى الصراع المباشر الذى يدور بين البلدين ببعديه المصلحى والأيديولوجى، أو فى الصراع بينهما فى صدد مسألة توازن القوى فى شرق وجنوب شرق آسيا فالصين تخوفت من أن يؤدى الوفاق الأمريكى السوفييتى إلى إتاحة فرصة أكبر للاتحاد السوفييتى ليتمكن من تجنيد قدر أكبر من موارده وطاقته وجهده فى مواجهته مع الصين وفضلا عن هذا، فأن الوفاق الأمريكى السوفييتى وفق إدراك القيادة الصينية يدعم النفوذ السوفييتى فى منطقة شرق وجنوب شرق آسيا، وبالتالى يحدث تغيرا ضخما فى توازن القوى القائم فى المنطقة ويمكن أن يهدد استقرارها وبالفعل فإن الانفراج فى علاقات السوفييت بالدول الغربية أتاح لهم توجيه مزيد من الاهتمام لتحقيق النفوذ السوفييتى فى واحد من أكثر الأقاليم الدولية أهمية بالنسبة للصين الشعبية ولنقرأ من كلمة رئيس وفد الصين فى الدورة الثامنة والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة، يقول:ـ وهكذا التقطوا يقصد السوفييت فى الآونة الأخيرة من جديد البضاعة البالية، نظام الأمن الجماعى الآسيوى، المزعوم، التى قد أعرض عنها الناس منذ زمان بالدهشة، إنه يذكرنا بأمريكى يدعى جون فوستر دالاس الذى لملم فى عجلة بعد حرب الهند الصينية ما يسمى بمنظمة حلف جنوب شرقى آسيا التى وجهت حربتها إلى الصين أن الاتحاد السوفييتى دولة أوربية وقطب حلف وارسو، فلماذا هو حريص إلى هذا الحد على الاهتمام بالأمن الجماعى للدول الآسيوية؟ هل ذهب شبح دالاس إلى قصر الكريملين؟ وتجرى خلاصة المنطق الصينى فى رفض الاعتراف بوجود وفاق دولى على النحو التالى:ـ ترى الصين أن الإمبريالية تعنى الحرب، وأن خطر الحرب قائم ما دامت الإمبريالية قائمة واليوم وفى الوقت الذى تحتدم فيه مختلف التناقضات الأساسية فى العالم، فإن خطر حرب عالمية جديدة لا يزال قائما، ولذا على شعوب كافة البلدان أن تكون مستعدة وألا تضلل ـ بظاهرة كاذبة من الوفاق السطحى المؤقت
ثانيا:ـ مدى فاعلية الموقف الصينى من التأثير على الوفاق الدولى:ـ بداية نقرر أن الازدواجية التى تميز موقف الصين من الوفاق الدولى تحد من فاعليته تأثيره على ظاهرة الوفاق الدولى ثم أن فاعلية الدور الصينى فى هذا الصدد ترتبط بمدى فاعلية التحرك الخارجى الصينى وتأثيره على توجيه العلاقات الدولية ورغم أن المجتمع الصينى قد انفك من إسار الإطار المغلق، الذى فرضته حول ذاته طوال عشرين عاما بعد نجاح الثورة الماوية لينفتح على العالم الخارجى ويقيم علاقات إيجابية مع معظم دول العالم مسهما فى تكوين أحد الاتجاهات التى تميز التطور الجديد فى النظام الدولى المعاصر أى بروز قوى كبرى تستعد للعب دور فعال إلى جانب القوتين الأعظم رغم ذلك، إلا أن الصين لم تعمد إلى صياغة سياسة خارجية تشمل كل أرجاء العالم، ربما لأنها لم تصل بعد إلى طور الدولة الأعظم التى يكون لديها الطاقة التى تمكنها من أن يكون لها مصالح عالمية شاملة أرجاء الكرة الأرضية ولعل عوامل السياسة الداخلية التى تعد السياسة الخارجية امتدادا وانعكاسا لها من بين أهم المؤثرات فى هذا المجال فالمواطن الصينى لا يمكن أن يضحى بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية من أجل أن يسهم فى لعب دور عالمى فعال ذلك أن فى تحديد أولوياته يضع البناء الداخلى فوق أى اعتبار آخر وتعبيرا عن ذلك تتسم السياسة الخارجية الصينية بالحذر والتقدم التدريجى المحسوب فى الانتقال من دائر إلى أخرى من الدوائر المتاحة والممكنة لتحركها فى مواجهة العالم الخارجى الخلاصة أن سياسة الصين، لا تزال حتى الآن غير قادرة على أحداث تأثير فعال خاصة بالسلب على السياسة الخارجية العالمية القوية التى تستطيع الإبقاء على الأوضاع الدولية القائمة أو تعديلها، أو تغيرها
ثالثا:ـ مثالية التصور الصينى للوفاق الدولى:ـ قدمت الصين الماوية تصورا مثاليا لمتطلبات قيام حالة الوفاق كسمة أساسية للعلاقات بين الدول وقد وردت عناصر هذا التصور المثالى فى حديث أحد المسئولين الصينيين على النحو التالى:ـ أننا ندعو دائما إلى وجوب المساواة بين بلدان العالم أجمع كبيرة كانت أم صغيرة وإقامة العلاقات الدولية الطبيعية بين جميع البلدان بصرف النظر عن نظمها الاجتماعية، ووفقا للمبادئ الخمسة من الاحترام المتبادل لوحدة الأراضى والسيادة وعدم الاعتداء، وعدم التدخل فى الشئون الداخلية، والمساواة والمنفعة المتبادلة والتعايش السلمى وتسوية المنازعات الدولية سلميا على أساس هذه المبادئ دون اللجوء إلى استخدام القوة أو التهديد بها وينبغى أن ينطبق ذلك على العلاقات فيما بين الدول الكبرى، وعلى العلاقات بين الدولة الكبيرة والدولة الصغيرة أيضا، وبالأحرى على العلاقات بين الدولة القوية والدولة الضعيفة أو بين الدولة الغنية والدولة الفقيرة أن المبادئ المذكورة أعلاه فى رأينا هى الحد الأدنى من مبادئ المساواة فى العلاقات الدولية كما أنها الطريق الصحيح لتخفيف حدة التوتر الدولى أن ذلك التصور المثالى للوفاق الدولى إنما يقوم على مجموعة من المبادئ النظرية العامة سبق أن تضمنتها مواثيق دولية هامة أهمها ميثاق الأمم المتحدة دون أن يؤخذ بها تماما فى التوجيه الفعلى للعلاقات الدولية بل أن محاولة أعمال هذه المبادئ بشكل دائم يعنى تجاهل واقع هذه العلاقات وتطورها الناتج عن الصراع بين إيرادات الدول ولا شك أن الصين الماوية كانت تدرك هذا الواقع جيدا لكنا نرى أن هناك مجموعة من الاعتبارات تكمن خلف إعلانها لهذا التصور النظرى كأسلوب للتوصل إلى وفاق دولى حقيقيى، من بينها إنه رغم أن الصين تنتمى إلى مجموعة الدول الكبرى إلا أنها لما تزل بعد بعيدة عن الممارسات التقليدية للدول الكبرى خاصة الدولتين العظميين هذه الممارسات التى تتمثل فى فرض إرادة هذه الدول على أطراف اللعبة الآخرين، أن أمكن ذلك فالمجتمع الصينى لم ينته بعد من استكمال بناء ذاته داخليا حتى يتجه إلى الممارسات الخارجية المألوفة لدى مجتمعات الدول الكبرى الأخرى، وفى كلمات أخرى، أن المجتمع الصينى لم يصل بعد إلى المرحلة التى تفيض فيها قوته القومية خارج حدوده، لأن تلك القوة لا تزال تجد فى الإطار الداخلى للمجتمع الصينى مجالا كافيا للتعبير عن ذاتها وإذا جاز لنا التعبير بعبارة أخرى يمكن أن نقول أن الدول الكبرى تمر بمراحل متعاقبة فى تطورها الاجتماعى والسياسى إلى أن تصل إلى مرحلة النمو القصوى التى لابد وأن تمارس أثناءها وظيفة التدخل للمشاركة فى توجيه علاقات غيرها من الدول، أى بحيث تصل إلى مرحلة ممارسة دور إمبريالى ونحن نرى الصين لا تزال خارج حدود هذه المرحلة ومن ثم فهى تعلن تبنيها لتصورات قد تكون مثالية حول مسائل العلاقات الدولية تعكس فيها طبيعة المرحلة التى تمر بها رابعا:ـ نظرة مستقبلية:ـ الصين ما بعد ماو والوفاق الدولى:ـ ليس هدفنا هنا هو إجراء تنبؤ دقيق باحتمالات الاستمرارية أو التغيير فى موقف الصين، بعد وفاة ماوتسى تونج، إزاء ظاهرة الوفاق الدولى فالواقع إنه إزاء ندرة المعلومات يصعب القيام بعملية التنبؤ الذى تتوفر له درجة معقولة من الدقة والعلمية لذا، سنهتم بدرجة أكبر بوضع مجموعة من التساؤلات التى ستحدد الإجابة عليها تطور موقف الصين من الوفاق الدولى.
تابع القراءة: